مع انخفاض درجات الحرارة وهبوب نسمات الشتاء الأولى، تستعيد الشوارع والأزقة العراقية طقوساً تراثية راسخة في ذاكرة العراقيين، حيث تتحول الأرصفة إلى محطات دافئة تفوح منها روائح اللبلبي والباقلاء الساخنة، إلى جانب الشلغم والشوندر والشوربات والحلويات الشعبية.
تعد هذه العربات المتنقلة والمقاهي الشعبية وجهة يومية يقصدها العراقيون للهروب من برودة الطقس، بحثاً عن وجبات تمنحهم الدفء في أجواء اجتماعية يصعب استحضارها داخل المنازل.
وفي هذا السياق، يرى المواطن رائد أحمد أن تناول اللبلبي والباقلاء في الهواء الطلق يمنح شعوراً مختلفاً، مشيراً إلى أن الشاي يظل المشروب الأول الذي لا يكتمل دفء الشتاء بدونه. من جهته، يوضح علي سعدي، وهو بائع متجول في هذه المهنة منذ سنوات، أن الإقبال على هذه الأكلات يبدأ مع حلول شهر تشرين الأول/أكتوبر ويستمر طوال أشهر البرد، مؤكداً أن لكل منطقة نكهتها الخاصة؛ ففي الموصل يشتهر اللبلبي بطريقته الفريدة التي تدمج الكشور واللية، بينما تزدهر في بغداد عربات الشوربة والذرة والحلويات كـ الداطلي والزلايبية.
إرث اجتماعي يتجاوز الطعام
لا تقتصر أهمية هذه الأطعمة على مذاقها فحسب، بل تمتد لتكون جزءاً من الموروث الشعبي المتوارث. ويؤكد المواطن أبو يونس أن تناول الباقلاء بالدهن يمثل جزءاً من ذاكرة بغداد التاريخية، مستذكراً عادات الأمهات في إعدادها قديماً، بينما يرى المواطن أبو عمار أن هذه الأكلات تعمل كحلقة وصل تجمع العائلات والأجيال حول الموائد البسيطة في المقاهي والعربات.
إن عربات الأطعمة الشتوية في العراق ليست مجرد وسيلة للبيع، بل هي مساحات تستعيد فيها المدن ذاكرتها، حيث يمتزج بخار الطعام بأحاديث المارة، لتتحول الوجبات البسيطة إلى طقس موسمي يعزز الروابط الإنسانية ويدفئ شوارع العراق ببهجة الألفة.


