بقلم /عبد الإله عطشان بقلم /عبد الإله عطشان
جسور الثقة في أدبيات التوحد… كيف نفهم معاناتهم بين الاختلاف والقبول؟

يقف أهالي الأطفال ذوي طيف التوحد في المساحة الفاصلة بين عالمين عالم يبحث فيه المجتمع عن التماثل والتطابق وعالم يفيض باختلافٍ عصبي فريد يحمله أطفالهم ليست المعاناة الحقيقية للوالدين نابعة من الطفل ذاته بل من الجدار الصلب الذي تشكله نظرة المجتمع غير الاستيعابية والتوقعات التقليدية التي تُفرض على النمو والتواصل إن الاختلاف العصبي لدى طفل التوحد لا يعني نقصاً في الإدراك أو جفافاً في المشاعر بل يعكس طريقة مختلفة تماماً في معالجة المدخلات الحسية واللغوية والعاطفية وعندما يصطدم هذا الاختلاف بالتنمر الضمني أو الشفقة الجاهلة أو النقد المستمر لطريقة تربية الطفل يجد الوالدان أنفسهما يخوضان معركة نفسية مضاعفة عنوانها الإرهاق العاطفي والشعور بالعزلة الاجتماعية.

 

​من الناحية النفسية والأكاديمية تبدأ رحلة التعامل الصحيح والسوي مع طفل التوحد من إعادة ضبط المفهوم الذهني للاختلاف داخل الأسرة إن إبعاد فكرة الابتلاء أو العبء عن وعي الطفل والأهل يُعد الركيزة الأساسية للطفولة السليمة إن الأطفال بغض النظر عن تنوعهم العصبي يملكون رادارات حسية ونفسية شديدة الحساسية لالتقاط مشاعر الوالدين وحين يتلقى الطفل إشارات مستمرة تشعره بأنه مصدر حزن أو عبء على أسرته يتشكل لديه مفهوم ذاتي هش ويترجم هذا الشعور الداخلي بالرفض إلى سلوكيات انسحابية أو نوبات غضب ناتجة عن التوتر القلقي المتزايد لذا فإن أول خطوات الدعم العلمي تكمن في تحويل الرؤية من الشعور بالثقل إلى تقبل الذات المتمايزة والتكيف الاستباقي مع متطلباتها.

 

​يتطلب التوافق النفسي مع طفل التوحد الاستثمار في فهم الخصائص الحسية والسلوكية التي يمر بها يعاني العديد من أطفال طيف التوحد من اضطراب في معالجة المثيرات الحسية حيث تصبح الأصوات العادية أو الضوضاء المفاجئة أو الإضاءة القوية أو ملمس بعض الأقمشة مصدراً لألم حسي حقيقي يُغرق الجهاز العصبي للطفل وحين يعبر الطفل عن هذا الانزعاج بنوبة غضب أو سلوك تكراري فإن التعامل السليم يقتضي القراءة الواعية للسبب النفسي أو الحسي خلف هذا السلوك بدلاً من تفسيره على أنه عناد أو سوء تربية إن توفير بيئة آمنة تقليلية المثيرات الضارة، وتفهم احتياج الطفل إلى الروتين والتنبؤ بالأحداث يمنح الجهاز العصبي للطفل الطمأنينة ويقلل من حالات التوتر الشديد.

 

​يعتمد التواصل الأكاديمي والتربوي الفعال مع الطفل على استخدام قنوات تواصل بديلة ومباشرة ينبغي بناء خطوط الاتصال عبر الوسائل البصرية والأوامر الواضحة والمحددة بعيداً عن التعقيد اللغوي أو المجازي الذي قد يصعب على معالجته المعرفية تفكيكه كما يحتاج الأهل إلى بناء صبر استراتيجي يتسامى عن السخط والحدة فكل نبرة غضب أو استياء تؤخر بناء جسور الثقة بين الأهل والطفل إن التشجيع القائم على تعزيز نقاط القوة والاهتمامات الخاصة التي يظهرها الطفل مهما كانت بسيطة أو ضيقة يسهم في بناء ثقته بنفسه وتطوير قدراته على الاستقلالية والتفاعل الاجتماعي بشكل تدريجي ومستدام.

 

​وفي هذا المسار المتكامل يمثل المتخصصون النفسيون خط الدفاع الأول لحماية هذه الشريحة العزيزة ومساندة أسرهم عبر توفير التوجيه العلمي والتدخل التخصصي الموجه لا يقتصر دور المعالج والمختص النفسي على تقييم الحالة وحسب بل يمتد لبناء برامج نمائية تُسهم في صقل وتطوير المهارات التواصلية والاجتماعية للطفل بالتوازي مع تعزيز الصلابة النفسية للوالدين والأسرة إن هذا الدعم التخصصي يمنح الأبوين الأدوات الأدائية والقدرة على التكيف مع الضغوط مما يحمي المنظومة الأسرية من الاحتراق النفسي ويُحول الرعاية من جهد فردي منهك إلى مسار موجه ومستند إلى أسس علمية متينة.

 

​إن السكينة النفسية لأسرة طفل التوحد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالوعي الذاتي للأبوين ورحمتهم بأنفسهم وبطفلهم فالوالدان اللذان يتعاملان مع الاختلاف العصبي لطباع طفلهما بصفته تنوعاً إنسانياً طبيعياً يتطلب أدوات تربوية خاصة ينشئان طفلاً واثقاً ومتقبلاً لذاته إن التخلي عن مقارنة الطفل بأقرانه والتركيز على قياس تطوره الخاص مقارنة بالماضي يحول رحلة التربية من ميدان للمكابدة اليومية إلى مسار إنساني راقٍ مليء بالاكتشاف والتطور الشغوف مما يمنح الطفل حقاً أصيلاً في أن يُحب ويوجه ويُحترم تماماً كما هو.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص