تجاوز الدين العام الأمريكي حاجز الـ 40 تريليون دولار للمرة الأولى، مسجلاً نحو 40.18 تريليون دولار مطلع الشهر الجاري. هذا الرقم الضخم، الذي يتجاوز الناتج السنوي لمعظم اقتصادات العالم، يثير تساؤلات جوهرية حول سر استمرار آلة الاقتراض الأمريكية في العمل دون انهيار، ولماذا لا يزال المستثمرون يتسابقون لشراء سندات الخزانة رغم هذه الأرقام الفلكية.
هل كل أمريكي مدين بـ 113 ألف دولار؟
يُعرف الدين العام بأنه مجموع الأموال التي اقترضتها الحكومة الفدرالية لتغطية العجز المالي، وهو الفرق بين الإنفاق والإيرادات. ورغم أن نصيب الفرد من هذا الدين يقدر بنحو 113.6 ألف دولار، إلا أن هذا الرقم يظل حسابياً لا يطالب به المواطن بشكل مباشر، لكنه يفرض ضغوطاً اقتصادية حقيقية.
فارتفاع الدين يؤدي إلى زيادة مدفوعات الفائدة، مما يقلص المساحة المتاحة للإنفاق على الخدمات الحيوية، ويضع الحكومة أمام خيارات صعبة مستقبلاً كزيادة الضرائب أو خفض الإنفاق. كما أن تزايد الاقتراض الحكومي يرفع تكاليف الاقتراض في الاقتصاد ككل، مما يؤثر على أسعار الفائدة للرهون العقارية وقروض الشركات.
كيف تراكمت التريليونات؟
لم يكن تراكم الدين وليد اللحظة، بل هو نتاج عقود من الحروب، والأزمات المالية، وبرامج التحفيز، وجائحة كورونا، بالإضافة إلى الارتفاع المستمر في تكاليف التقاعد والرعاية الصحية. ومنذ عام 2001، قفز الدين من 5.8 تريليونات دولار ليصل إلى مستوياته الحالية غير المسبوقة.
ويحذر الخبراء، بمن فيهم مدير مكتب الميزانية في الكونغرس فيليب سواجل، من أن المسار المالي الحالي غير قابل للاستمرار، حيث يزاحم الدين أولويات الإنفاق ويجعل البلاد أكثر عرضة للأزمات.
من يملك الدين الأمريكي؟
ينقسم الدين إلى قسمين رئيسيين: ديون يحملها الجمهور (أفراد، بنوك، صناديق، وحكومات أجنبية)، وديون داخلية بين الجهات الحكومية. وتفند الأرقام الاعتقاد الشائع بسيطرة الصين على تمويل أمريكا؛ إذ لا تتجاوز الحيازة الصينية 1.6% من إجمالي الدين، بينما تعد اليابان والمملكة المتحدة من أكبر الحائزين الأجانب للسندات الأمريكية.
امتياز الدولار.. هل يحمي واشنطن من الإفلاس؟
تتمتع الولايات المتحدة بامتياز فريد؛ فهي تقترض بالعملة التي تصدرها (الدولار)، مما يعني أنها تقنياً لا يمكن أن تعجز عن السداد. ومع ذلك، يظل التضخم هو القيد الحقيقي. فإذا طبعت الحكومة المزيد من الدولارات بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد الإنتاجي، ستنهار قيمة العملة وترتفع الأسعار، مما يضطرها لرفع الفائدة لجذب المستثمرين.
اختبار الثقة
تظل الثقة هي العملة الحقيقية التي تمنح واشنطن قدرتها على الاقتراض. فالسندات الأمريكية ليست مجرد ورقة دين، بل هي الملاذ الأكثر أماناً للسيولة العالمية. ومع ذلك، فإن المخاطر لا تقتصر على الداخل الأمريكي، بل تمتد لتصبح مصدراً لاضطراب الائتمان العالمي.
في نهاية المطاف، لا تبدأ لحظة الخطر عندما يضيف عداد الدين تريليوناً جديداً، بل عندما يتشكك المستثمرون في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، وهو اختبار صامت تمر به واشنطن في كل مزاد جديد لسندات الخزانة.


