تواجه المحكمة الجنائية الدولية حملة تصعيدية غير مسبوقة من قبل الولايات المتحدة، تهدف في جوهرها إلى تقويض المؤسسة القضائية الدولية لضمان إفلات المواطنين الأمريكيين من المساءلة عن جرائم دولية محتملة. إن العداء الأمريكي تجاه المحكمة ليس وليد اللحظة، بل هو نهج مستمر تصاعدت حدته مع الإدارات الجمهورية المتعاقبة، وصولاً إلى التهديدات الحالية بتفكيك المحكمة لبنة لبنة.
استراتيجية الضغط: التهديدات مقابل الشرعية
مفارقة لافتة تبرز في المشهد الحالي؛ فكلما زادت حدة الهستيريا في واشنطن تجاه المحكمة، زادت الأخيرة قوة في نظر الشعوب التي تؤمن بأن القوانين الدولية يجب أن تسري على الجميع دون استثناء. ومع ذلك، فإن التهديدات بفرض عقوبات على موظفي المحكمة وتفكيكها تشكل اليوم تهديداً وجودياً حقيقياً، يضع مستقبل العدالة الدولية على المحك.
خارطة طريق لحماية المحكمة
يرى مراقبون أن بقاء المحكمة الجنائية الدولية لا يعتمد فقط على مواجهة الضغوط الأمريكية، بل على تكاتف الدول الأعضاء لمنع انهيارها، وذلك عبر أربعة مسارات أساسية:
- تعزيز التعاون القضائي: يجب على الدول الأعضاء تكثيف تعاونها مع المحكمة، لا سيما في تنفيذ مذكرات الاعتقال وتوفير الأدلة اللازمة للتحقيقات الجارية.
- حملة انضمام دولية: في ظل انسحاب بعض الدول تحت ضغوط أمريكية، يتوجب على الدول الداعمة للمحكمة إطلاق حملة دبلوماسية واسعة لاستقطاب أعضاء جدد، وتقديم حوافز سياسية واقتصادية للدول المترددة في الانضمام.
- الدعم المالي المباشر: تحتاج المحكمة إلى ميزانية مرنة وقوية. وبالمقارنة مع التكاليف الباهظة للحروب والنزاعات، فإن ميزانية المحكمة (حوالي 210 ملايين دولار لعام 2026) تعد ضئيلة بالنظر إلى حجم المهام الموكلة إليها في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية.
- حماية الموظفين من العقوبات: يجب على القوى الدولية، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي وكندا، تفعيل قوانينها المحلية لصد العقوبات الأمريكية عن قضاة وموظفي المحكمة، وتوفير الحماية القانونية والمالية لهم لضمان استمرار عملهم.
خاتمة: الاختبار الحقيقي
إن محاولة ثني الإدارة الأمريكية عن عدائها للمحكمة قد تبدو مهمة مستحيلة، ولكن التخاذل في حماية المؤسسة هو ما قد يؤدي فعلياً إلى نهايتها. إن دعم المحكمة اليوم ليس مجرد حماية لمؤسسة قضائية، بل هو موقف مبدئي لترسيخ قاعدة أن لا أحد فوق القانون، مهما بلغت قوته أو نفوذه.


