مع اقتراب الولايات المتحدة من الاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلالها، يبرز الدين العام كأحد أكبر التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الأكبر في العالم، بعد أن كسر حاجز الـ39 تريليون دولار، صعوداً من 71 مليون دولار فقط عند تأسيس الدولة.
يعكس مسار الدين الأمريكي تاريخ الدولة ذاته؛ حيث ارتبطت كل قفزة كبرى في حجم الاقتراض بالأزمات الكبرى، بدءاً من الحروب وصولاً إلى برامج الإنفاق الاستثنائية. وعلى الرغم من احتفاظ الدولار بمكانته كعملة احتياط عالمية، إلا أن تزايد كلفة خدمة الدين واتساع العجز المالي يطرحان تساؤلات جدية حول استدامة هذا النموذج الاقتصادي.
من ثمن الحرية إلى التضخم الهيكلي
بدأت قصة الدين الأمريكي عام 1790، حين قام أول وزير للخزانة، ألكسندر هاملتون، بتوحيد ديون الولايات والحكومة الفيدرالية الناتجة عن حرب الاستقلال، واصفاً إياها بـثمن الحرية. ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد محطة وحيدة تخلصت فيها من الدين تماماً عام 1835 في عهد الرئيس أندرو جاكسون، قبل أن يعود الاقتراض ليصبح ركيزة دائمة في السياسة المالية.
توالت القفزات مع محطات تاريخية فارقة:
- الحرب الأهلية: قفز الدين من 65 مليون دولار عام 1860 إلى 3 مليارات دولار عام 1865.
- الحرب العالمية الثانية: ارتفع من 43 مليار دولار عام 1940 إلى أكثر من 250 مليار دولار عام 1945، متجاوزاً 100% من الناتج المحلي الإجمالي.
- العصر الحديث: تجاوز الدين حاجز التريليون دولار عام 1981، ثم تسارعت الوتيرة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 والأزمة المالية العالمية في 2008.
- جائحة كورونا: شكلت نقطة تحول كبرى بإضافة 4.2 تريليونات دولار خلال عام 2020 وحده.
لماذا لا يزال العالم يمول واشنطن؟
رغم بلوغ نسبة الدين 126% من الناتج المحلي الإجمالي، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بقدرة استثنائية على الاقتراض، مدفوعة بمكانة الدولار كعملة عالمية واعتبار سندات الخزانة الأمريكية من أكثر الأصول أماناً. ومع ذلك، فإن هذه الميزة لا تلغي المخاطر المترتبة على نمو الدين بوتيرة أسرع من نمو الاقتصاد.
بين التحذير والواقعية الاقتصادية
يتباين رأي الخبراء حول خطورة هذا المسار:
- وجهة نظر متفائلة: يرى البعض، مثل جوناثان بورتس من كلية كينغز لندن، أن مستويات الدين المرتفعة لا تعني بالضرورة وقوع أزمة، مستشهداً بالتجربة اليابانية.
- وجهة نظر محذرة: يرى ستيف هانكي (جامعة جونز هوبكنز) أن المشكلة تكمن في كلفة خدمة الدين، حيث يذهب نحو خمس الإيرادات الضريبية لسداد الفوائد فقط، مما يقلص الإنفاق العام.
- الخطر المستقبلي: يؤكد دوغ إلميندورف (جامعة هارفارد) أن الاقتراض المفرط يرفع تكاليف التمويل لكافة القطاعات الاقتصادية، مما قد يؤدي مستقبلاً إلى أزمة ثقة ترفع أسعار الفائدة بشكل حاد وغير متوقع.
في المحصلة، بات الدين الأمريكي سمة هيكلية للمالية العامة، مما يضع صناع القرار أمام معادلة صعبة توازن بين تحفيز النمو الاقتصادي وضمان الاستدامة المالية على المدى الطويل.


