يواجه الاقتصاد العالمي منعطفاً تاريخياً مع تدفق مئات المليارات من الدولارات لبناء بنية تحتية رقمية غير مسبوقة. هذا الطوفان التمويلي يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حاسم: هل سيقود هذا التحول إلى ازدهار شامل، أم سيعمق الفجوة بين الدول التي تمتلك مفاتيح الحوسبة المتقدمة وتلك التي لا تزال تكافح لتأمين الخدمات الأساسية؟
في العاصمة القطرية الدوحة، وضمن فعاليات الدورة التاسعة لـ منتدى الاستثمار العالمي، ناقش نخبة من صناع القرار وخبراء التكنولوجيا الدوليين آليات توجيه رؤوس الأموال نحو تنمية مستدامة تضمن عدم ترك أي دولة خلف الركب.
أرقام فلكية تعيد صياغة المشهد الاستثماري
أكد وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات القطري، محمد بن علي بن محمد المناعي، أن الذكاء الاصطناعي تحول من قطاع واعد إلى محرك أساسي للاقتصاد العالمي. وتشير التقديرات إلى أن الاستثمارات المرتبطة بهذا القطاع ستتجاوز تريليون دولار بحلول عام 2026، مع توقعات بوصول الإنفاق الإجمالي على مراكز البيانات والأنظمة الرقمية إلى 7 تريليونات دولار بحلول عام 2030.
وتشير بيانات تقرير الاستثمار العالمي 2026 إلى قفزة نوعية في المشاريع التأسيسية الاستراتيجية، حيث ارتفعت قيمتها من 109 مليارات دولار في 2020 إلى 576 مليار دولار في 2025. وقد استحوذت مراكز البيانات على الحصة الأكبر من الزيادة التراكمية، متفوقة بفارق كبير على قطاعات تقليدية كالنفط والغاز.
التجربة القطرية: نموذج للمواءمة الوطنية
استعرض الوزير المناعي المقاربة القطرية المنبثقة من رؤية قطر الوطنية 2030، والتي ترتكز على أربعة محاور:
- بنية تحتية سيادية: شراكات استثمارية ضخمة لبناء مراكز حوسبة عالية الأداء.
- رأس المال البشري: تأهيل 50 ألف كادر وطني عبر أكاديميات رقمية متخصصة.
- تحفيز الابتكار: حزمة حوافز للشركات الناشئة ودعم التحول الرقمي الحكومي.
- الحوكمة الأخلاقية: الالتزام بالذكاء الاصطناعي الأخلاقي الذي يحترم حقوق الإنسان والهوية الثقافية واللغة العربية.
تحديات الفجوة الرقمية وأزمة الطاقة
من جانبه، حذر توماس لاماناوسكاس، نائب الأمين العام للاتحاد الدولي للاتصالات، من اختلال العدالة التوزيعية؛ حيث تتركز 80% من استثمارات الذكاء الاصطناعي في الدول المتقدمة. كما أشار إلى أن 2.2 مليار إنسان لا يزالون محرومين من الإنترنت، إضافة إلى الضغط الهائل على شبكات الكهرباء الذي تسببه مراكز البيانات، مما يفرض تحديات هيكلية تتطلب استثمارات عاجلة تقدر بـ 28 مليار دولار بحلول عام 2030.
مستقبل الشركات الناشئة وسوق العمل
شدد الدكتور كاي-فو لي، الرئيس التنفيذي لشركة 01.إيه آي، على أن القيمة الحقيقية تكمن في طبقة التطبيقات التي تلامس احتياجات الناس. وأكد أن الدول النامية يمكنها المنافسة عبر نماذج مفتوحة المصدر ومنخفضة التكلفة، بدلاً من الاعتماد الكلي على النماذج العملاقة.
بدوره، أشار بنغ يانغ، الرئيس التنفيذي لشركة آنت إنترناشونال، إلى أن دمج الحلول الذكية في الشركات الصغيرة والمتوسطة -التي تمثل 90% من قطاع الأعمال- يعد الضمانة الأساسية لنمو اقتصادي شامل وعادل.
النجاة من بطالة المستقبل
اتفق المشاركون على ضرورة إعادة صياغة أنظمة التعليم والتدريب لمواجهة البطالة الهيكلية. وأوضح عبد الله حمد المسند، رئيس شركة كاي، أن التحدي لا يقتصر على التكنولوجيا، بل في قدرة المجتمعات على طرح السؤال الصحيح وتسخير هذه الأدوات لرفع الإنتاجية في مجالات الإدارة والتشغيل، بدلاً من التعامل معها كأدوات استهلاكية فقط.


