في أسواق الطاقة، يمثل تجاوز أسعار النفط حاجز الـ 100 دولار للبرميل معادلة اقتصادية بالغة التعقيد، تتجاوز التصنيف التقليدي للرابحين والخاسرين. فبينما تواصل الأسعار صعودها مدفوعة باضطرابات الملاحة في مضيق هرمز ومخاطر إمدادات الشرق الأوسط، تواجه الاقتصادات العالمية تحديات مركبة تجمع بين تراجع الطلب، وعودة التضخم، وضغوط أسعار الفائدة.
وقد أغلق خام برنت تعاملات الجمعة عند 116.72 دولاراً للبرميل، محققاً مكاسب أسبوعية تجاوزت 6%، وسط قلق الأسواق من استدامة التدفقات النفطية.
لماذا تشتعل أسعار النفط؟
تعود موجة الصعود الحالية إلى تصاعد المخاطر الأمنية في الممرات المائية الحيوية، لا سيما بعد تقارير عن استهداف ناقلات نفط في مضيق هرمز -الذي يعبره نحو 25% من تجارة النفط العالمية- مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بشكل قياسي. وبحسب وكالة الطاقة الدولية، فإن الاضطرابات أدت إلى انخفاض متوسط الإنتاج العالمي بمقدار 5.8 ملايين برميل يومياً، مع تراجع ملحوظ في المخزونات العالمية.
ضغوط على الدول العربية المستوردة
تجد الحكومات في الدول العربية المستوردة للنفط نفسها أمام خيارات صعبة؛ فبينما تحاول دعم أسعار الوقود لتخفيف العبء عن المواطنين، تتزايد الضغوط على الموازنات العامة. ففي الأردن، تحملت الحكومة أعباء دعم كبيرة بلغت 360 مليون دولار، وفي مصر، أدى تثبيت الأسعار رغم ارتفاع التكلفة العالمية إلى وضع خيارات قاسية تتراوح بين الاقتراض أو تقليص الإمدادات.
مفارقة دول النفط: أرباح تقابلها مخاطر
على الجانب الآخر، لا تعني الأسعار المرتفعة بالضرورة أرباحاً صافية للدول المصدرة. فبيانات البنك الدولي تشير إلى انكماش متوقع لاقتصادات مجلس التعاون الخليجي بنسبة 4.3% خلال عام 2026، نتيجة تراجع مستويات الإنتاج وتكاليف الشحن الباهظة. إذ ارتفعت أجور الناقلات إلى مستويات قياسية (تصل إلى 1.4 مليون دولار يومياً لبعض الشحنات)، مما يقلص هوامش الربح ويؤثر على الشركات العاملة في قطاع الطاقة.
مستقبل الأسعار وتداعيات التضخم
تشير التوقعات إلى أن استمرار العجز في توازن العرض والطلب قد يمتد إلى عام 2027. وفي الوقت نفسه، يواصل التضخم العالمي تسجيل مستويات مقلقة (نحو 4.7% في 2026)، مما يدفع البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الفيدرالي الأمريكي، إلى التمسك بأسعار فائدة مرتفعة. هذه السياسات النقدية تزيد من تكاليف الاقتراض، وتكبح النمو الاقتصادي، وتخلق حلقة مفرغة تلتهم جزءاً كبيراً من مكاسب الدول النفطية، وتعمّق أزمات الدول المستوردة، مما يجعل النفط المرتفع تحدياً عالمياً لا رابح فيه بشكل مطلق.


