في 31 أغسطس/آب 1997، كانت ريبيكا شاروك في السابعة من عمرها حين وصل إلى عائلتها خبر وفاة الأميرة ديانا. وبعد عقود، لا تزال الأسترالية تتذكر المشهد بتفاصيله الدقيقة؛ من لحظة وجودها في حوض الاستحمام مع شقيقتها، وصولاً إلى نداء خالتها الذي أخبرهما بالنبأ. بالنسبة لشاروك، الماضي ليس مجرد ذكرى، بل هو شريط سينمائي متصل يتدفق إلى ذهنها دون استئذان.
تعد شاروك واحدة من مجموعة نادرة حول العالم شُخّصت بقدرة تُعرف باسم الذاكرة الذاتية الفائقة (HSAM). ويقدّر الباحثون عدد من يحملون هذه السمة بنحو 100 شخص فقط على مستوى العالم، وهي حالة تجعل استرجاع تفاصيل الحياة اليومية، سواء كانت مؤلمة أو عادية، أمراً حتمياً لا مفر منه، مما يلقي بظلاله على جودة حياتها اليومية وقدرتها على الاسترخاء.
رحلة التشخيص والتعايش
لم تدرك شاروك اختلاف قدراتها إلا في يناير/كانون الثاني 2011، بعد مشاهدتها تقريراً تلفزيونياً عن أشخاص يمتلكون ذاكرة استثنائية. وبعد عامين من الاختبارات المكثفة، أكد فريق بحثي في جامعة كاليفورنيا عام 2013 إصابتها بهذه الحالة، وهي في الثالثة والعشرين من عمرها.
Rebecca Sharrock remembers almost every day of her life. The 36-year-old has a rare condition called Highly Superior Autobiographical Memory, or HSAM, which means she can remember vivid details from her past — even back to when she was a young child. pic.twitter.com/JURauxmgZY
— The Independent (@Independent) October 17, 2026
تصف شاروك تجربتها بأنها خزانة ملفات ذهنية، حيث تتنقل ذكرياتها بين مراحل عمرية مختلفة دون ترتيب منطقي. لا يقتصر الأمر على الأحداث الكبرى، بل يشمل تفاصيل يومية عادية، وهو ما يفاقم من صعوبة نومها، خاصة عند استحضار ذكريات مؤلمة مرتبطة باضطرابات أخرى تعاني منها مثل الوسواس القهري والتوحد.
خرافة الذاكرة الفوتوغرافية
يؤكد العلماء أن فرط الاستذكار يختلف جذرياً عن الصورة الذهنية الشائعة للذاكرة الفوتوغرافية. فهذه القدرة تتعلق حصراً باستعادة أحداث الحياة الشخصية وربطها بتواريخ دقيقة، ولا تمنح صاحبها تفوقاً في أنواع التذكر الأخرى. كما تشير الدراسات، بما فيها مراجعة منهجية نُشرت عام 2024، إلى أن هؤلاء الأشخاص ليسوا بمنأى عن الذكريات الزائفة، بل قد يكونون أكثر عرضة لتذكر تفاصيل مضللة في بعض التجارب.
Meet Rebecca Sharrock. She has a rare condition called hyperthymesia, which allows her to remember virtually every day of her life. She says her earliest memory dates back to when she was just 12 days old, when she remembers being in her crib pic.twitter.com/fermMuto03
— non aesthetic things (@PicturesFoIder) July 29, 2026
استراتيجيات المواجهة
للتغلب على ضجيج الذكريات، تلجأ شاروك إلى أنشطة تشغل عقلها مثل تعلم اللغات، عزف الغيتار الكلاسيكي، والاستماع للموسيقى. كما اتجهت نحو العمل الإبداعي والكتابة، حيث أصدرت عام 2024 كتابها حياتي أحجية، الذي تسرد فيه تفاصيل حياتها منذ الولادة حتى سن الثلاثين.
تظل قصة شاروك تذكيراً بمفارقة إنسانية؛ فالتذكر المطلق لا يعني بالضرورة سهولة الحياة، بل قد يكون النسيان هو المساحة التي يحتاجها الإنسان ليمضي قدماً في حياته.


