بعد انتظار دام 16 عاماً، أقر البرلمان اللبناني قانوناً جديداً للإعلام يهدف إلى تنظيم العمل الصحفي وإدخال إصلاحات جوهرية، إلا أن هذا القانون واجه انتقادات حقوقية حادة، حيث تحذر منظمات دولية من ثغرات قانونية قد تحول مواده إلى أدوات لتقييد حرية التعبير بدلاً من حمايتها.
أخبار ضارة تحت طائلة السجن
تتركز أبرز المخاوف حول المادة (104 ب) من القانون، التي تجرم تعمد اختلاق الأكاذيب ونشر أخبار كاذبة وضارة، وتفرض عقوبة تصل إلى ثلاث سنوات سجناً. وترى منظمة هيومن رايتس ووتش أن استخدام مصطلحات فضفاضة مثل الأخبار الضارة يفتح الباب واسعاً أمام السلطات لإساءة استخدام النص لملاحقة الصحفيين والناشطين، خاصة في ظل سوابق لبنانية تعرض فيها إعلاميون للمساءلة بسبب انتقاد شخصيات نافذة أو كشف ملفات فساد.
تداخل القوانين وتحدي الخطوط الحمراء
لا تقتصر الإشكاليات على قانون الإعلام الجديد، بل تمتد لتشمل قوانين سارية أخرى، مثل قانون العقوبات والقضاء العسكري، التي تجرم القدح والذم بحق رئيس الجمهورية، والجيش، ومؤسسات الدولة، وحتى رموز الدول الأجنبية. هذه النصوص تمنح الأجهزة الأمنية غطاءً قانونياً لملاحقة أصحاب الرأي، مما يجعل الضمانات الجديدة في القانون المستحدث تبدو هشة أمام ترسانة النصوص العقابية التقليدية.
بين الإنجاز والتقويض
على الرغم من التحفظات، يقر الحقوقيون بوجود مكتسبات إيجابية في القانون الجديد، مثل إلغاء التوقيف الاحتياطي في قضايا النشر، وتسهيل إجراءات ترخيص المنصات الإعلامية، وحماية سرية المصادر الصحفية، ومنع تدخل الأجهزة الأمنية في مصادرة المعدات والوثائق الخاصة بالصحفيين.
تحركات برلمانية ومطالب حقوقية
في خطوة استباقية لمعالجة هذه الثغرات، تقدم عشرة نواب بمشروع تعديلات يهدف إلى إلغاء المادة المثيرة للجدل (104 ب)، وحصر صلاحيات التحقيق في قضايا النشر بالنيابة العامة بدلاً من الأجهزة الأمنية. ومع ترحيب المنظمات الحقوقية بهذه الخطوة، إلا أنها تشدد على أن الحل الجذري يكمن في إلغاء النصوص الجنائية المتعلقة بالقدح والذم ونقل هذه القضايا إلى القضاء المدني، ضماناً لالتزام لبنان بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.


