وجدت دول آسيا الوسطى نفسها أمام تحديات طاقة غير مسبوقة، دفعتها للبحث عن بدائل عاجلة بعد أن أدت الهجمات الأوكرانية المتكررة على البنية التحتية للطاقة في روسيا إلى جفاف إمدادات الوقود التي تعتمد عليها المنطقة بشكل شبه كلي.
تحول في بوصلة الاستيراد
في خطوة تعكس حجم الأزمة، أعلنت طاجيكستان في أغسطس الماضي عن بدء استقبال شحنات نفطية ومشتقات وقود من إيران، في ظل حالة من عدم اليقين بشأن استمرارية الإمدادات الروسية. وفي سياق متصل، اتفقت إيران وقيرغيزستان على إنشاء مصفاة نفط مشتركة وتزويد الدولة بوقود خام، مما يشير إلى محاولة طهران استغلال الفراغ الناتج عن تراجع القدرات التصديرية لموسكو.
لماذا تعاني روسيا من أزمة وقود؟
تسببت الضربات الجوية الأوكرانية بطائرات مسيرة في إخراج ما يقدر بربع إلى نصف القدرة التكريرية الإجمالية لروسيا عن الخدمة. ونتيجة لذلك، فرضت السلطات الروسية إجراءات تقشفية شملت:
- تقنين بيع الوقود للمركبات بحدود 20-30 لتراً.
- حظر تصدير البنزين ووقود الطائرات، مع توجه لفرض حظر مماثل على الديزل.
- تخفيف معايير جودة الوقود للسماح بضخ أنواع أدنى جودة في السوق المحلية.
تحديات الاستدامة واللوجستيات
يوضح الخبراء أن هذا التوجه الإيراني نحو آسيا الوسطى يواجه عقبات لوجستية كبيرة. فإيران لا تشترك في حدود جغرافية مع طاجيكستان أو قيرغيزستان، مما يفرض نقل المنتجات عبر تركمانستان وأوزبكستان بواسطة السكك الحديدية، وهي عملية معقدة ومكلفة مقارنة بالبنية التحتية الروسية الراسخة التي تضم شبكات أنابيب وسكك حديدية مباشرة.
ويرى المحللون أن هذه الفرصة الإيرانية قد تكون مؤقتة؛ فبمجرد توقف الهجمات الأوكرانية أو إصلاح المصافي الروسية، ستعود المنتجات الروسية إلى السوق بأسعار تنافسية وبدون تعقيدات جمركية في إطار الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، مما يجعل منافسة إيران في السعر أمراً بالغ الصعوبة.
مخاطر العقوبات الثانوية
على الرغم من حاجة دول آسيا الوسطى للوقود، إلا أنها تواجه خطر الوقوع تحت طائلة العقوبات الأمريكية الثانوية. ورغم استبعاد المحللين لفرض عقوبات شاملة على حكومات المنطقة -نظراً لأهميتها الجيوسياسية لواشنطن في اللعبة الكبرى ومواردها من المعادن الحيوية- إلا أن هناك توقعات بإجراءات تستهدف أفراداً وشركات لوجستية وبنوكاً إقليمية، مما قد يرفع تكلفة التعامل مع طهران ويقلص من جاذبية هذا المسار التجاري.
هل يعوض السوق الآسيوي خسائر إيران؟
تظل سعة السوق في آسيا الوسطى محدودة؛ حيث يبلغ طلب طاجيكستان حوالي 50 ألف برميل يومياً، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بحجم الصادرات الإيرانية السابقة عبر البحر. ويؤكد المراقبون أن طهران لا تسعى لاستبدال أسواقها الاستراتيجية، بل تحاول تقديم نفسها كمورد سد ثغرات لتجنب إغضاب شريكتها الاستراتيجية، روسيا، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متصاعدة.


