بين الواقع الرقمي والتعايش الريفي: هل يواجه المسلمون في جنوب أفريقيا إسلاموفوبيا متصاعدة؟

بين الواقع الرقمي والتعايش الريفي: هل يواجه المسلم

في قرية نغوتو النائية شمال كوازولو ناتال بجنوب أفريقيا، حيث تسود المسيحية والمعتقدات الأفريقية التقليدية، لم تكن جنازة زويليبي جاك نغوباني -الذي توفي عن عمر يناهز 105 أعوام- مجرد حدث عائلي، بل كانت تجسيداً لواقع اجتماعي بعيد كل البعد عن التوترات التي تضج بها منصات التواصل الاجتماعي. فقد أوصى الراحل بأن يُدفن وفق الشريعة الإسلامية التي اعتنقها في أواخر حياته، وهو ما نفذته عائلته باحترام وتقدير، رغم كون المسلمين أقلية ضئيلة في تلك المنطقة.

هذا المشهد الهادئ يتناقض بشكل حاد مع الخطاب المتصاعد عبر الإنترنت في الأشهر الأخيرة، حيث تزايدت حدة الانتقادات ضد المسلمين، متداخلة مع نقاشات وطنية حادة حول الهجرة. وتتنوع الاتهامات الرقمية بين الادعاء بأن المسلمين يسعون للسيطرة على البلاد، أو التشكيك في انتمائهم الوطني، وصولاً إلى اتهام المنظمات الخيرية الإسلامية باستغلال الفقر لتحويل السكان إلى الإسلام.

الواقع على الأرض: تساكنٌ لا تصادم

بعيداً عن خوارزميات الإنترنت، تروي ساموكليسيوي نغوباني تجربتها قائلة: لم نواجه أي مشكلة مع المسلمين، والناس هنا يحترمون دينهم. وفي ذات السياق، يؤكد كيثوكوتولا دلامي، وهو شاب اعتنق الإسلام عام 2012 ويعيش في القرية نفسها، أن ملابسه الإسلامية لا تثير سوى مزاح ودي من جيرانه، مشدداً على أن هناك انسجاماً واحتراماً متبادلاً في هذه المجتمعات.

Samukelisiwe
ساموكليسيوي نغوباني، ناشطة مجتمعية في نغوتو، تحمل صورة جدها زويليبي جاك نغوباني.

جذور متأصلة وتحديات معاصرة

رغم أن نسبة المسلمين في جنوب أفريقيا لا تتجاوز 1.6% وفقاً لتعداد عام 2022، إلا أن وجودهم يعود لقرون خلت، حيث دخل الإسلام إلى الكيب منذ القرن السابع عشر. ويرى المراقبون أن محاولات حشد العداء ضد المسلمين ليست ظاهرة ريفية، بل تنبع من أوساط محددة في المدن والمجمعات السكنية العمالية التي تستغل التوترات القبلية والظروف المعيشية الصعبة.

ويشير المحلل السياسي ثيمبيسا فاكودي إلى أن الحديث عن إسلاموفوبيا واسعة النطاق في جنوب أفريقيا قد يكون مبالغاً فيه، معتبراً أن ما يجري هو صدى لتوجهات عالمية وتطرف فردي لا يعكس جوهر المجتمع الجنوب أفريقي.

Samukelisiwe
ساموكليسيوي نغوباني تؤكد أن المسلمين جزء أصيل من الحياة اليومية في مجتمع كوازولو ناتال الريفي.

الحذر من التأثير التراكمي

من جانبه، يحذر الزعيم الديني مولانا سليمان رافات من التهاون مع الخطاب الرقمي، مؤكداً أن هناك أجندات عالمية قد تؤثر بمرور الوقت على نفسية الناس وتفكيرهم. ويرى رافات أن الهوية الإسلامية في جنوب أفريقيا متجذرة وتتسم بالوطنية العميقة، رافضاً محاولات تصوير المسلمين كغرباء عن النسيج الوطني.

وتبقى الفجوة كبيرة بين الواقع الافتراضي والواقع المعاش في القرى والمدن؛ حيث لا يزال التعايش هو السمة الغالبة، رغم التحذيرات من أن تجاهل الخطاب التحريضي قد يحول التهديدات البعيدة إلى واقع ملموس في المستقبل.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص