سجل الريال الإيراني تدهوراً تاريخياً جديداً في قيمته أمام الدولار الأمريكي، متجاوزاً حاجز المليوني ريال للدولار الواحد في السوق الموازية، وذلك في أعقاب حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية المشددة، إلى جانب التداعيات المستمرة للحرب التي اندلعت في فبراير الماضي، والتي أدت إلى تفاقم الأزمات المعيشية لنحو 92 مليون إيراني.
مؤشر التضخم: تآكل القدرة الشرائية
أدت التطورات الاقتصادية الأخيرة إلى صعود حاد في أسعار السلع الأساسية، حيث أظهرت البيانات أن القدرة الشرائية للمواطن تراجعت بشكل لافت؛ فمبلغ 2 مليون ريال الذي كان يغطي احتياجات أساسية قبل الحرب، بات اليوم لا يشتري سوى نصف تلك الكميات، مع تسجيل زيادات قياسية في أسعار الأغذية والأدوية.
وتشير الأرقام إلى ارتفاع تكلفة الأدوية الحيوية بشكل خاص، حيث سجل سعر الأنسولين قفزة بنسبة 642%، بينما ارتفعت أسعار مسكنات الألم بنسبة 93%، وحليب الأطفال بنسبة 95%، مما يضع الأسر الإيرانية أمام تحديات وجودية لتأمين احتياجاتها اليومية.
البقاء على قيد الحياة: معاناة الأسر الإيرانية
تصف أفسانة، وهي أم لثلاثة أطفال تعمل وزوجها، الوضع المعيشي بكونه صراعاً للبقاء لنهاية الشهر. وتوضح أن مصاريف رعاية الأطفال وحدها باتت تستنزف جزءاً كبيراً من الدخل، حيث وصلت تكلفة دور الحضانة إلى 5 ملايين ريال يومياً، وهو ما يفوق قدرة الكثير من الأسر، خاصة مع غياب التأمين عن الاحتياجات الأساسية مثل المكملات الغذائية والفحوصات الدورية.
فجوة الأجور وانهيار القطاعات
في الوقت الذي تواصل فيه العملة المحلية فقدان قيمتها، لا تزال الأجور ثابتة بعيدة عن مواكبة التضخم. حيث يبلغ الحد الأدنى للأجور للعام الحالي نحو 166 مليون ريال (حوالي 82 دولاراً)، وهو رقم يجد العمال صعوبة بالغة في العيش به في ظل الظروف الراهنة.
من جانبه، يؤكد زامير، وهو عامل في قطاع تجارة الملابس، أن مبيعات التجزئة شهدت تراجعاً بنسبة 40%، محذراً من موجة إفلاس وشيكة للعديد من التجار مع اقتراب فصل الشتاء. وأضاف أن التكاليف اليومية للمواطن العادي، حتى في أبسط صورها، أصبحت تتطلب مبالغ طائلة لا تتماشى مع مستويات الدخل الحالية.
اتساع الفجوة بين الدخل والإنفاق
تتفاقم الأزمة في الأقاليم الساحلية والمناطق الحيوية، حيث تشير سلامة، وهي عاملة في قطاع الصيد، إلى أن تكلفة التسوق الأسبوعي للعائلة تضاعفت عشر مرات، مما أجبر الكثيرين على حذف أصناف غذائية أساسية مثل اللحوم والدواجن من موائدهم تماماً.
إن الحرب والقيود المفروضة على الصادرات والواردات، إلى جانب تعطل عجلة الإنتاج، خلقت واقعاً اقتصادياً معقداً، حيث بات السؤال الملح لدى ملايين الإيرانيين ليس حول نسبة التضخم، بل حول مدى قدرة الراتب الشهري على توفير الحد الأدنى من الغذاء والسكن في ظل هذه الظروف.


