في خطوة استراتيجية تعكس تحولاً جذرياً في السياسة التعليمية والتوجهات الوطنية، أعلنت وزارة التربية الوطنية الجزائرية أن اللغة الإنجليزية ستصبح اللغة الأجنبية الوحيدة المعتمدة في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي بدءاً من الموسم الدراسي 2026-2027، مما ينهي عقوداً من هيمنة اللغة الفرنسية التي كانت تُفرض كلغة أجنبية أولى في النظام التعليمي الجزائري.
ويأتي هذا القرار في إطار الإصلاح اللغوي الذي يقوده الرئيس عبد المجيد تبون، والذي يهدف إلى تعزيز مكانة اللغة الإنجليزية في مختلف القطاعات، بما في ذلك التعليم العالي، والوثائق الرسمية، واللوحات الإرشادية، وحتى في قطاع الطيران، كجزء من عملية تغيير هيكلية وشاملة.
تحديات التطبيق والرهانات التربوية
ورغم الترحيب الشعبي والمهني بهذه الخطوة، يرى خبراء تربويون أن نجاحها مرهون بوجود تخطيط دقيق وتوفير الموارد اللازمة. وفي هذا الصدد، يؤكد أحمد كريم، وهو مدرس لغة إنجليزية متقاعد، أن القرار صائب جداً، لكنه يتطلب استعادة مراكز التدريب التخصصية التي كانت تضمن إعداد معلمين أكفاء، بدلاً من الاعتماد الكلي على خريجي الجامعات الذين يفتقرون أحياناً إلى الخبرة الميدانية.
من جانبه، يرى المحلل نور الدين بسادي أن الصراع اللغوي في الجزائر ليس تربوياً فحسب، بل هو امتداد للسياق السياسي والتاريخي للبلاد، حيث ارتبطت سياسات التعريب منذ الاستقلال عام 1962 بتعزيز الهوية الوطنية ومواجهة الإرث الاستعماري.
مواكبة التغيرات العالمية
وعلى الصعيد الميداني، هناك استجابة شعبية ملحوظة؛ حيث يشير أصحاب المكتبات إلى تزايد الطلب على الكتب باللغة الإنجليزية، خاصة بين فئات الشباب الذين باتوا يتجهون نحو الأدب العالمي المعاصر. يوضح كريم طالب، صاحب مكتبة في تيزي وزو، أن الجيل الجديد يميل بشكل طبيعي نحو الإنجليزية، بعيداً عن التوجهات الرسمية، وهو ما يعكس تغيراً في عادات القراءة لدى الجزائريين.
ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا توترات متصاعدة، بالتزامن مع توجه مماثل في دول إفريقية أخرى مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو التي بدأت في تقليص النفوذ اللغوي والسياسي لباريس، مما يضع الجزائر في قلب حركة تحول إقليمية واسعة تهدف إلى إعادة صياغة الارتباطات الثقافية والتعليمية بعيداً عن الإرث الفرنكوفوني.


