في قلب منطقة باب الشيخ بالعاصمة العراقية بغداد، حيث يقع مرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني، يواصل مطبخ الخيرات أداء رسالته الإنسانية التي لم تنطفئ نيرانها منذ أكثر من 700 عام. يعد هذا المطبخ أحد أقدم المؤسسات الخيرية في العراق، حيث يفتح أبوابه يومياً لإطعام المحتاجين والزوار دون تمييز أو تدوين لهويات المستفيدين.
رحلة الإطعام اليومية
تبدأ طقوس الإطعام في ساعة مبكرة، حيث تتوزع المهام بين الطباخين والمتطوعين وسط أجواء من التعاون. يقدم المطبخ وجبته الأولى في تمام الساعة العاشرة والنصف صباحاً، وتتنوع بين الأرز والمرق واللحوم. أما في الساعة الواحدة والنصف ظهراً، فيحين موعد تقديم شوربة الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهي حساء غني بالأرز واللحم، حيث يأتي المستفيدون بأوانيهم الخاصة للحصول على وجباتهم.
أرقام تعكس حجم التكافل
يستهلك المطبخ في الأيام العادية ما لا يقل عن 100 كيلوغرام من اللحم و60 كيلوغراماً من الدجاج، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الأرز والمواد الأساسية، لتلبية احتياجات نحو 600 مسكين يومياً. وتتضاعف هذه الكميات في المناسبات الدينية، مثل ذكرى مولد النبي محمد ? ومولد الشيخ الجيلاني، لتصل إلى 400 كيلوغرام من اللحم يومياً.
مساحة للتعايش والسلام
تتجاوز خدمات المطبخ حدود الوجبات اليومية، لتشمل توزيع آلاف السلال الغذائية في المناطق التي شهدت أزمات أمنية ومخيمات النازحين. ويقوم هذا العمل على التبرعات الواردة من داخل العراق وخارجه.
وفي مشهد يعكس روح التعايش، يشارك في المطبخ متطوعون من مختلف الخلفيات الدينية. ومن بينهم السيدة يوهاد توما، وهي مسيحية وموظفة حكومية متقاعدة، تجد في خدمة هذا المكان تجسيداً لقيم الإنسانية والإيمان المشترك، مما يجعل المطبخ مساحة للسلام في مجتمع متنوع.
إرث تاريخي
يرتبط المطبخ تاريخياً بالشيخ عبد القادر الجيلاني، العالم والفقيه الصوفي الذي أسس مدرسته القادرية في القرن السادس الهجري (نحو 528هـ). وقد تحولت هذه المدرسة إلى مؤسسة علمية وتربوية شاملة، ساهمت عبر قرون في ترسيخ قيم الزهد والتكافل الاجتماعي، لتظل اليوم منارة للخير وملاذاً للفقراء في قلب بغداد.


