في عالم السياسة النقدية، لا تتطلب السيطرة على الأسواق دائماً اتخاذ قرارات رسمية برفع أو خفض أسعار الفائدة. يلجأ بنك إنجلترا أحياناً إلى استراتيجية ذكية تُعرف في الأوساط الاقتصادية بـ تأثير مارادونا، وهو تشبيه استلهمه الحاكم السابق للبنك، ميرفين كينغ، من أداء أسطورة كرة القدم الأرجنتيني دييغو مارادونا في هدفه الشهير عام 1986.
فكما أوهم مارادونا المدافعين الإنجليز بأنه سيتجه يميناً أو يساراً بينما كان يواصل الركض في خط مستقيم، يقوم البنك المركزي أحياناً بتوجيه توقعات المستثمرين والبنوك التجارية دون الحاجة إلى تغيير السعر الرسمي للفائدة (Base Rate). عندما يتوقع السوق تحركاً معيناً من البنك، تبادر البنوك التجارية بتعديل أسعار القروض والرهن العقاري استباقياً، مما يمنح البنك المركزي القدرة على التأثير في الاقتصاد دون تغيير فعلي في السياسة النقدية.
الواقع الحالي: الأسواق تسبق البنك
تشهد المملكة المتحدة حالياً نموذجاً حياً لهذا التأثير؛ فعلى الرغم من قرار بنك إنجلترا بالإبقاء على سعر الفائدة الرسمي ثابتاً عند 3.75%، إلا أن تكاليف الاقتراض الحقيقية، خاصة قروض الرهن العقاري بنسبة 75% من قيمة العقار، قد ارتفعت بمقدار 79 نقطة أساس منذ شهر فبراير الماضي.
هذا التحرك في السوق يفسر سبب عدم إقدام لجنة السياسة النقدية (MPC) على رفع الفائدة في اجتماعها الأخير، رغم التوقعات السابقة للمستثمرين. لقد قامت الأسواق بجزء كبير من العمل الشاق نيابة عن البنك المركزي.
مخاطر وضغوط تضخمية
رغم نجاح هذه الاستراتيجية مؤقتاً، إلا أن التوقعات المستقبلية تظل محفوفة بالمخاطر. فالمشهد الجيوسياسي في الخليج العربي لا يزال شديد التقلب، وأي تصعيد قد يؤدي إلى قفزات جديدة في أسعار الطاقة العالمية.
إلى جانب ذلك، يواجه البنك ضغوطاً تضخمية متزايدة من مصادر أخرى، منها الارتفاع الحاد في تكاليف رقائق الذاكرة الحاسوبية نتيجة الازدهار الكبير في قطاع الذكاء الاصطناعي، وهو ما أشار إليه تقرير السياسة النقدية الأخير للبنك.
إن قدرة البنك على الاستمرار في سياسة التوجيه دون رفع الفائدة فعلياً تعتمد بشكل كبير على دقة قراءته لهذه المتغيرات المتسارعة، وما إذا كانت الأسواق ستستمر في التفاعل مع إشاراته بنفس الفعالية في ظل الضغوط التضخمية الراهنة.


