في يونيو/حزيران الماضي، قدمت تقلبات ثروة الملياردير إيلون ماسك نموذجاً مصغراً لكيفية تشكل ثروات الأسواق وتلاشيها؛ فقد خسر في يوم واحد نحو 118 مليار دولار، قبل أن تضيف مكاسب أسهم شركاته أكثر من 60 مليار دولار في جلسة لاحقة. هذه الأرقام ليست سيولة نقدية دخلت أو خرجت من حسابه، بل هي تغيرات في القيمة السوقية لأصوله، وهي مكاسب أو خسائر دفترية لا تتحول إلى سيولة فعلية إلا عند بيع الأصل.
يوضح أحمد عزام، رئيس الأبحاث وتحليل الأسواق في شركة إيكويتي، أن انخفاض القيمة السوقية لشركة ما بمقدار 100 مليار دولار لا يعني اختفاء مصانع أو معدات أو منتجات، بل هو تغير في تقدير المستثمرين لقيمة تلك الشركة في السوق.

الفجوة بين الأصول والناتج المحلي
تظهر البيانات أن الأصول المالية العالمية بلغت 503.7 تريليونات دولار بنهاية 2024، في حين بلغ الناتج المحلي الإجمالي العالمي 111.67 تريليون دولار. هذا الفارق لا يعني وجود اقتصاد مالي ينتج 4.5 أمثال الاقتصاد الحقيقي، فالمقارنة هنا تجمع بين رصيد متراكم (الأصول) وتدفق سنوي (الناتج المحلي)، وهو خلط منهجي لا يستقيم اقتصادياً.
ويشير الخبراء إلى أن نمو الأصول المالية يتجاوز بشكل مستمر نمو الإنتاج الحقيقي؛ ففي عام 2025، قفزت القيمة السوقية للأسهم عالمياً بنسبة 18.5%، بينما لم يتجاوز نمو الإنتاج الحقيقي 2.9%.
ما هو الاقتصاد الحقيقي؟
يقصد بالاقتصاد الحقيقي الأنشطة المنتجة للسلع والخدمات (الصناعة، الزراعة، التكنولوجيا، والنقل)، وهي التي تخلق الوظائف وتولد الدخول. أما الاقتصاد المالي فيشمل الأدوات التي تمنح صاحبها حقاً مالياً أو حصة في أصل، مثل الأسهم والسندات والمشتقات.

وتتوزع الأصول المالية العالمية وفقاً لمجلس الاستقرار المالي كالتالي:
- 256.8 تريليون دولار لدى المؤسسات المالية غير المصرفية.
- 191.3 تريليون دولار لدى البنوك.
- 34.1 تريليون دولار لدى البنوك المركزية.
- 21.5 تريليون دولار لدى المؤسسات المالية العامة.
لماذا تنمو الأصول أسرع من الإنتاج؟
يعود ذلك لعدة عوامل منها: إعادة تسعير الأرباح المستقبلية (توقعات المستثمرين)، انخفاض أسعار الفائدة، تراكم الديون الحكومية والخاصة، وتراكم المدخرات في صناديق التقاعد والتأمين التي تُستثمر لعقود.

لماذا لا يشعر الناس بهذه الثروة؟
السبب الرئيسي هو تفاوت توزيع الثروة؛ حيث يعتمد العامل على أجره، بينما يستفيد مالك الأصول من ارتفاع الأسعار والعوائد. بيانات منظمة العمل الدولية تشير إلى انخفاض حصة العاملين من الدخل العالمي، مما يعني أن مكاسب الأصول تسبق غالباً تحسن القوة الشرائية للعمال. كما أن معظم التداول في البورصات يتم في السوق الثانوية بين المستثمرين، مما يعني أن الأموال لا تتدفق بالضرورة لتمويل مصانع أو خلق وظائف جديدة.

متى تتحول الطفرة إلى فقاعة؟
تتحول الارتفاعات إلى فقاعة عندما تنفصل الأسعار عن الأرباح الحقيقية وتعتمد على المضاربة والاقتراض المفرط. التاريخ الاقتصادي، مثل أزمة 2008، أثبت أن انفجار فقاعات الأصول لا يظل محصوراً في البورصات، بل ينتقل للواقع عبر إفلاس المؤسسات، فقدان الوظائف، وتقلص الإنفاق الاستهلاكي.



