لم تعد موجات الحر القياسية التي تجتاح شمال أفريقيا مجرد تحدٍ مناخي عابر، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لهشاشة البنية التحتية للطاقة وقدرتها على الصمود أمام الطلب المتزايد. فقد كشفت الانقطاعات الواسعة للتيار الكهربائي في كل من تونس وليبيا والجزائر عن أزمات هيكلية تتجاوز في جوهرها تقلبات الطقس، لتصل إلى عمق أزمات الاستثمار والتمويل وأمن الطاقة.
تونس.. ضغوط اقتصادية تعمق أزمة الطاقة
تتصدر تونس قائمة الدول الأكثر تضرراً، حيث اضطرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى فرض انقطاعات مبرمجة وصلت في بعض المدن إلى سبع ساعات يومياً، في محاولة يائسة لتخفيف الضغط على الشبكة ومنع انهيارها الكلي. هذا الوضع أثار استياءً واسعاً، لا سيما في القطاعات الحيوية كالسياحة والصناعات الغذائية، وسط اقتصاد يعاني أصلاً من تباطؤ النمو وضغوط مالية خانقة.

وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن أزمة الكهرباء في تونس ترتبط بشكل وثيق بعجز الدولة عن تمويل الواردات وتحديث الشبكات المتقادمة، مما جعلها أكثر عرضة للتأثر بتقلبات أسعار الطاقة العالمية، في ظل عجز الموازنة العامة عن دعم القطاع بشكل كافٍ.
ليبيا والجزائر.. تباين الأسباب والنتيجة واحدة
في ليبيا، كشفت الأعطال الفنية الأخيرة عن مفارقة حادة؛ فبينما تمتلك البلاد أحد أكبر احتياطيات النفط في أفريقيا، تعاني بنيتها التحتية من تهالك شديد ناتج عن سنوات الصراع، مما يضطرها لاستيراد الوقود اللازم لتشغيل محطاتها. وفي الجزائر، أدى عطل فني في إحدى محطات الإنتاج إلى انقطاعات امتد أثرها إلى جارتها تونس، مما يبرز حالة الترابط الكهربائي التي تجعل من أزمة أي دولة تهديداً مباشراً لاستقرار جيرانها.

تحديات المستقبل: ما وراء الصيف
تؤكد المعطيات الحالية أن أزمات الكهرباء لم تعد أحداثاً موسمية، بل مؤشراً على ضرورة التحرك نحو:
- الاستثمار المكثف في تحديث شبكات النقل والتوزيع المتهالكة.
- تنويع مصادر الطاقة والتوجه نحو الحلول المتجددة لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
- تعزيز الربط الكهربائي الإقليمي كصمام أمان لتبادل الإمدادات خلال فترات الذروة.
إن أزمة هذا الصيف وضعت دول المنطقة أمام حقيقة لا مفر منها: أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يغني عن ضرورة وجود إدارة رشيدة واستثمارات مستدامة في البنية التحتية، خاصة مع التوقعات بزيادة حدة وتكرار موجات الحر في السنوات المقبلة.


