في الوقت الذي يظل فيه مضيق هرمز شرياناً حيوياً يمر عبره نحو خمس إنتاج النفط العالمي، لم تكتفِ الصين -أكبر مستورد للنفط والغاز في العالم- بدور المراقب لتداعيات التوترات الجيوسياسية، بل سارعت إلى تفعيل مسار إستراتيجي يهدف إلى تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، محولةً المخاطر إلى فرصة لتعزيز أمنها الطاقوي ونفوذها الاقتصادي.
وتشير البيانات الاقتصادية إلى تراجع ملموس في واردات الصين النفطية منذ تصاعد الأزمات، حيث سجلت الشحنات في يونيو/حزيران انخفاضاً بنحو 60% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، وسط توقعات بأن يتراجع الطلب الصيني بنحو مليوني برميل يومياً بشكل دائم، بفضل الطفرة في تبني السيارات الكهربائية والهجينة التي استحوذت على 62% من مبيعات السيارات الجديدة في السوق الصينية.
هوامش أمان إستراتيجية
وتؤكد مستشارة شؤون الطاقة، جيسيكا عبيد، أن بكين نجحت في بناء هوامش أمان عبر رفع احتياطياتها الإستراتيجية إلى أكثر من مليار برميل، مما منحها قدرة فائقة على امتصاص الصدمات السعرية واضطرابات الإمدادات. وتضيف عبيد أن الصين لا تكتفي بالتحول الكهربائي، بل تمضي في خطة طموحة لتحويل 80% من شاحنات النقل إلى الكهرباء، مع اقتراب قطاع سيارات الأجرة في المدن الكبرى من التحول الكامل للطاقة النظيفة.
وعلى الرغم من استمرار الاعتماد النسبي على الفحم والنفط، تتوسع الصين في قدرات الطاقة المتجددة والنووية، حيث تضيف سنوياً حوالي 200 غيغاواط من القدرات الجديدة، وهو ما يعادل ثلث الزيادات العالمية، مما يرسخ موقعها كقوة عظمى في سلاسل إمداد التقنيات الخضراء.
نفوذ يتجاوز حدود الجغرافيا
إلى جانب التحول الداخلي، أعادت الصين ترتيب مصادر وارداتها بتعزيز الاعتماد على الخام الروسي وخطوط الأنابيب البرية لتقليل المخاطر البحرية. وتمتلك بكين اليوم هيمنة صناعية عالمية، حيث تنتج 70% من السيارات الكهربائية عالمياً، وتوفر غالبية مكونات مشاريع الطاقة النظيفة للعديد من الدول، بما فيها دول الشرق الأوسط.
إن هذا التفوق التقني والصناعي يمنح الصين نفوذاً جيوسياسياً جديداً، حيث انتقلت المنافسة من مجرد تأمين شحنات النفط إلى السيطرة على التقنيات وسلاسل الإمداد التي ترسم مستقبل الطاقة العالمي، مما يجعل من أزمة مضيق هرمز حافزاً لتسريع خروج الصين من عباءة الاعتماد الطاقوي التقليدي.


