لم تعد شبكات الدفع الإلكتروني مجرد أدوات لتسهيل المعاملات التجارية؛ بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى ركيزة أساسية في النظام المالي العالمي، وأداة ضغط استراتيجية تثير مخاوف الدول والكيانات السياسية التي تسعى لحماية سيادتها المالية.
نفوذ يتجاوز الاقتصاد
على مدى عقود، عملت شركتا فيزا وماستركارد على دمج الدول في النظام المالي العالمي الذي تقوده واشنطن. ومع تصاعد التوترات الدولية، بدأ خبراء ومسؤولون ينظرون إلى هذا الاعتماد كـ نقطة ضعف استراتيجية. فبحسب دراسة للاقتصادي آرون كلاين، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية، فإن السماح للدول بالاندماج في منظومة المدفوعات الأمريكية كان إستراتيجية تمنح واشنطن نفوذاً طويل الأمد يمكن تفعيله عند الأزمات.
صدمة موسكو: اختبار القوة
شكلت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 نقطة تحول كبرى، حيث أثبتت التجربة الروسية أن شبكات الدفع العالمية يمكن إيقافها بقرار سياسي. فبمجرد تعليق خدمات الشركتين في روسيا، وجد الآلاف من المواطنين أنفسهم في عزلة مالية خارج البلاد. ومع ذلك، نجحت موسكو في احتواء الصدمة داخلياً بفضل النظام الوطني لمعالجة المدفوعات (NSPK) الذي أسسته بعد عام 2014، مما سمح باستمرار المعاملات المحلية بعيداً عن الخوادم الأجنبية.
أوروبا نحو الاستقلال المالي
أثارت هذه التطورات قلقاً بالغاً في الأوساط الأوروبية. وتدفع أورور لالوك، رئيسة لجنة الشؤون الاقتصادية والنقدية في البرلمان الأوروبي، نحو إنشاء منظومة مدفوعات أوروبية مستقلة لتجنب الوقوع في مأزق مشابه لما واجهته روسيا. ويأتي مشروع اليورو الرقمي الذي يطوره البنك المركزي الأوروبي كخطوة عملية لتوفير بديل رقمي رسمي يقلل الاعتماد على البنية التحتية للشركات الأمريكية.
إن المنافسة الحالية في قطاع المدفوعات ليست تقنية فحسب، بل هي صراع على السيادة المالية، حيث تتسابق القوى الدولية، بما فيها الصين عبر شبكة يونيون باي، لبناء أنظمة تضمن استقلالها المالي بعيداً عن هيمنة الشبكات التقليدية.


