حرب تكسير العظام بالمعادن: كيف تحكم الصين قبضتها على مفاصل التكنولوجيا العالمية؟

حرب تكسير العظام بالمعادن: كيف تحكم الصين قبضتها

يجد قطاع التصنيع العالمي نفسه أمام حقيقة قاسية مع تشديد بكين لضوابط التصدير على معادن حيوية كالـ إيتريوم والغاليوم والجرمانيوم. هذا التوجه الصيني، الذي تصفه بكين بأنه تنظيم قانوني لحماية أمنها القومي، أحدث هزات ارتدادية في أروقة الشركات الكبرى، من مصانع السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات، وصولاً إلى عملاقة الصناعات الدفاعية الأميركية التي باتت تعيش حالة من الذعر والتحذيرات بوقف الإنتاج واللجوء لخيارات السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية.

تعد هذه الإجراءات اختباراً حقيقياً كشف عن هشاشة الهدنة المؤقتة بين واشنطن وبكين، حيث يمكن لغرامات قليلة من معدن مثل الإيتريوم أن تتحول إلى نقطة اختناق قاتلة تهدد بوقف عجلة الابتكار العالمي والتحول الأخضر بأسره. وتشير تقارير دولية إلى أن الصين تُنتج الغالبية العظمى من هذه المعادن، مما يجعل أي اضطراب في إمداداتها خطراً وجودياً للصناعات المتقدمة.

حذر واسع وتأثيرات هيكلية

يؤكد كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، أن تشديد الصين الرقابة على صادرات المعادن الحيوية يفرض قيوداً تجعل الحصول على هذه المواد أكثر بطئاً وكلفة، نتيجة تشديد إجراءات تراخيص التصدير والتحقق من المستخدم النهائي. ويوضح صليبي أن الصناعات الأكثر تأثراً تشمل السيارات، السيارات الكهربائية، أشباه الموصلات، الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة.

ويضيف صليبي: الصين لا تهيمن فقط على إنتاج هذه المعادن، وإنما تتركز لديها أيضاً عمليات التكرير والمعالجة، وهو ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات يرفع تكلفة التحول نحو الطاقة النظيفة ويؤخر تنفيذ العديد من المشروعات.

هدنة هشة ومنافسة جيوسياسية

تمثل ضوابط التصدير الصينية، التي تستهدف كيانات أميركية بارزة، تصعيداً كبيراً في التوترات التجارية، حيث تصفها نائبة الرئيس الأولى في معهد سياسات جمعية آسيا، ويندي كاتلر، بأنها تؤكد مدى هشاشة الهدنة الثنائية. من جانبها، تبرر بكين هذه الإجراءات بأنها رد على الأعمال الخبيثة التي قامت بها الحكومة الأميركية ولحماية الأمن القومي.

تداعيات على سلاسل الإمداد

من جهتها، تشير أستاذة الاقتصاد والطاقة، الدكتورة وفاء علي، إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الاحتياطيات، بل في هيمنة الصين على مراحل المعالجة والتكرير، حيث تسيطر على نحو 90 بالمئة من هذه القدرات عالمياً. وتضيف أن هذا النفوذ يمنح بكين أفضلية استراتيجية يصعب تعويضها في المدى المنظور، رغم مساعي الولايات المتحدة وحلفائها لبناء سلاسل إمداد مستقلة.

وفي سياق متصل، ترى الكاتبة والمحللة الصينية سعاد ياي شين هوا، أن ما يشهده العالم ليس توقفاً شاملاً لحركة التجارة، بل هو إعادة هيكلة لسلاسل الصناعة والإمداد العالمية وتوزيع الموارد الاستراتيجية، محذرة من أن توظيف هذه الموارد كأدوات للمنافسة الجيوسياسية قد يؤدي إلى إبطاء التطور التكنولوجي والتحول الأخضر.

تحديات المستقبل

يختتم المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، موضحاً أن هذه الإجراءات ستؤدي على المدى القريب إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة حالة عدم اليقين، بينما ستدفع التداعيات طويلة الأجل الدول الغربية لتسريع الاستثمارات في التعدين والتكرير المحلي. ويشير إلى أن سلاسل التوريد العالمية تتجه نحو مرحلة أكثر تجزئة وتنافساً استراتيجياً، حيث سيعتمد حجم التحول على مدى توافر البدائل وقدرة الأسواق على ابتكار مصادر توريد جديدة.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص