جذور راسخة.. جينات التكيف اللبنانية
عندما غادر أجداد حسن بورجي بلدة قانا في جنوب لبنان إلى كوت ديفوار في أربعينيات القرن الماضي، كانوا يبحثون عن فرصة أفضل للحياة، لا عن بناء شركة تكنولوجيا مالية تخدم ملايين المستخدمين بعد أكثر من ثمانية عقود. اليوم، تحولت رحلة الهجرة التي بدأت مع الجيل الأول إلى قصة نجاح يقودها الحفيد، الشريك المؤسس والمدير التنفيذي لتطبيق دجامو (Djamo)، الذي أصبح أحد أسرع تطبيقات الخدمات المالية الرقمية نموا في غرب أفريقيا.
ولد حسن بورجي وعاش طوال حياته في كوت ديفوار، حيث يمثل الجيل الثالث من عائلته التي اندمجت في المجتمع الإيفواري مع الحفاظ على جذورها اللبنانية. يقول بورجي: نحن نحمل الهوية الإيفوارية، لكن بجذور وأصول لبنانية راسخة. السر في نجاح المغترب اللبناني يكمن في مهارة خارقة؛ وهي القدرة الهائلة على التكيف والاندماج الكامل في الثقافات المحلية واحتضان الشعوب التي يعيش بينها.
ملحمة دجامو.. ثورة الشمول المالي
استثمر بورجي جينات التكيف في عالم التكنولوجيا والابتكار الرقمي. فبعد دراسته في فرنسا وعمله في قطاع الاستشارات، رصد فجوة اقتصادية هائلة في كوت ديفوار ومنطقة غرب أفريقيا؛ حيث تعاني نسبة تتجاوز 80% من السكان من تهميش مالي بسبب تعقيدات البنوك التقليدية.
في عام 2020، أطلق بورجي بالتعاون مع شريكه راديس لابي تطبيق دجامو. لم تكن الفكرة مجرد مشروع تجاري، بل مهمة تنموية تهدف إلى تحقيق الشمول المالي؛ إذ أتاح التطبيق للشباب والطلاب والعاملين في القطاعات غير الرسمية فتح حساب مالي والحصول على بطاقة فيزا خلال دقائق عبر الهاتف المحمول.
نجاحات عالمية
في عام 2021، أصبح دجامو أول شركة ناشئة في تاريخ كوت ديفوار تُقبل في حاضنة الأعمال العالمية المرموقة (Y Combinator) في وادي السيليكون. وخلال خمس سنوات، تحول المشروع إلى صرح مالي يضم أكثر من 300 موظف، ويقدم خدماته لأكثر من مليوني عميل.
موقف إنساني من الحرب في الجنوب اللبناني
تأتي قصة نجاح بورجي في وقت يمر فيه الجنوب اللبناني بظروف مأساوية، حيث تقبع بلدات أجداده تحت وطأة الحرب. يعبر بورجي عن أساه قائلاً: نحن مستاءون للغاية ومفطورو القلوب مما يحدث في لبنان. كان من المفترض أن نذهب هذا العام في عطلتنا الصيفية، لكن خططنا أُلغيت بسبب الحرب.
ويضيف: من المؤلم رؤية الشباب الواعد يغادر لبنان مجبراً. نحاول في العائلة تقديم كل الدعم المالي الممكن لمساندة أقاربنا الذين اختاروا الصمود والبقاء في الجنوب.
رسالة إلى شباب لبنان
يوجه بورجي رسالة ملهمة للجيل الشاب في لبنان: إذا سُدّت في وجوهكم الأبواب، فالمغادرة وبناء حياتكم في الخارج ليست نهاية المطاف، بل هي امتداد لتاريخنا في السعي والتكيف. ولكن، إذا كنتم تمتلكون القدرة على الصمود داخل الوطن، فحاولوا بكل قوتكم تأسيس مشاريعكم وأفكاركم في لبنان؛ لأن طاقات الشباب المبتكرة هي الرافعة الوحيدة الكفيلة بمساعدة البلد على النهوض مجددا.


