الفاتورة الباهظة للمناخ: كيف تستنزف موجات الحر الاقتصاد العالمي؟

الفاتورة الباهظة للمناخ: كيف تستنزف موجات الحر الا

حرائق قياسية في مطلع 2026

كشفت بيانات حديثة استندت إلى تحليل مجموعة وورلد ويذر أتريبيوشن (World Weather Attribution)، أن المساحات التي التهمتها حرائق الغابات حول العالم تجاوزت 150 مليون هكتار خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، بزيادة تقارب 20 بالمئة عن الرقم القياسي السابق، وسط تحذيرات من أن ظاهرة النينيو قد تفاقم التداعيات الصحية والاقتصادية.

وسجلت أفريقيا أكبر مساحة محترقة عالمياً، تلتها القارة الآسيوية التي شهدت حرائق واسعة في الهند والصين ولاوس وميانمار وتايلاند، حيث احترق نحو 44 مليون هكتار، في قفزة بلغت 40 بالمئة مقارنة ببيانات عام 2014.

مفارقة الحرائق: مساحات أقل وخسائر تاريخية

في مفارقة لافتة، أظهرت دراسة نشرت في دورية Nature Reviews Earth & Environment أن عام 2025 شهد ثاني أدنى مساحة أراضٍ محترقة عالميًا منذ عام 2002، ومع ذلك صُنف العام كواحد من أكثر الأعوام تدميراً وكلفة اقتصادية. فقد تسببت حرائق باليسيدز وإيتون في كاليفورنيا وحدها بخسائر إجمالية قُدرت بـ 140 مليار دولار، ما جعلها خامس أكثر الكوارث الطبيعية كلفة في التاريخ الحديث.

توقعات سويسرا ري: قفزة في خسائر الكوارث

أشار تقرير Sigma الصادر عن شركة إعادة التأمين العالمية سويسرا ري (Swiss Re) إلى أن الخسائر الناتجة عن الكوارث الطبيعية والمؤمَّن عليها بلغت 107 مليارات دولار في عام 2025. وتتوقع الشركة ارتفاع هذا الرقم إلى 148 مليار دولار في 2026، وقد تصل في سيناريوهات الخسائر القصوى إلى 320 مليار دولار، لتصل إلى 186 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعة بحدة العواصف الرعدية وحرائق الغابات.

الاقتصادات الأكثر تضرراً

حذر تقرير Allianz Trade من أن موجات الحر المتطرفة قد تكبد فرنسا خسائر اقتصادية تراكمية تصل إلى 240 مليار دولار بين 2026 و2030، تليها إيطاليا (147 مليار دولار)، ثم ألمانيا (131 مليار دولار) وإسبانيا (120 مليار دولار). وتواجه هذه الدول تحدياً في البنية التحتية، حيث لا تتجاوز نسبة انتشار أجهزة التكييف في أوروبا 19 بالمئة مقارنة بـ 90 بالمئة في الولايات المتحدة.

تآكل الإنتاجية وسوق العمل

وفقاً لتقديرات منظمة العمل الدولية، قد يؤدي الإجهاد الحراري إلى فقدان 2.2 بالمئة من إجمالي ساعات العمل عالمياً بحلول عام 2030، وهو ما يعادل 80 مليون وظيفة بدوام كامل وخسائر اقتصادية تصل إلى 2.4 تريليون دولار سنوياً، في ظل تعرض أكثر من 2.4 مليار عامل حول العالم لدرجات حرارة مفرطة.

الولايات المتحدة: الحرارة كإعصار دائم

في الولايات المتحدة، بلغت الكلفة الاقتصادية للحرارة الشديدة في عام 2024 نحو 162 مليار دولار، أي ما يعادل 1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتتوزع هذه الخسائر بين انخفاض إنتاجية العمال، وتكاليف الرعاية الصحية، وتضرر المحاصيل الزراعية، إضافة إلى ضغط الطلب على الكهرباء وتضرر البنية التحتية للنقل.

ضغط غير مسبوق على شبكات الكهرباء

تخطى الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة أرقاماً قياسية تاريخية خلال يوليو 2026، مما دفع وزارة الطاقة لإصدار أوامر طوارئ لضمان استقرار الشبكة. ويتقاطع هذا الطلب مع نمو جزيرة الحرارة الرقمية الناتجة عن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، التي ترفع حرارة الأرض المحيطة بها بمعدلات تصل إلى 9 درجات مئوية في بعض المواقع.

الخلاصة

لم تعد موجات الحر وحرائق الغابات مجرد ظواهر مناخية موسمية، بل تحولت إلى عامل اقتصادي هيكلي يؤثر على سلاسل الإمداد، أسواق التأمين، والنمو العالمي. وبات لزاماً على الحكومات والشركات إعادة تقييم المخاطر المناخية ككلفة اقتصادية مباشرة ومحدّد رئيسي للسياسات الاستثمارية المستقبلية.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص