يبرز المغرب كفاعل محوري في المشهد الاقتصادي الأفريقي، حيث تمكن بفضل رؤية إستراتيجية ممتدة لأكثر من ثلاثة عقود من تصدر مؤشر التصنيع في أفريقيا للعام 2025، مسجلاً 0.8415 نقطة. هذا الإنجاز يعكس نجاح المملكة في بناء قاعدة صناعية متقدمة ومندمجة، نقلت الاقتصاد الوطني من الاعتماد على القطاع الفلاحي إلى التنوع في سلاسل القيمة العالمية.
خارطة النفوذ الصناعي في أفريقيا
أظهر تقرير البنك الأفريقي للتنمية هيمنة واضحة لدول شمال أفريقيا على خارطة التصنيع القارية، حيث جاء الترتيب كالتالي:
- المغرب: في المرتبة الأولى بفضل أدائه الصناعي المتطور.
- جنوب أفريقيا: في المرتبة الثانية.
- مصر: في المرتبة الثالثة بفضل تنوع نسيجها الإنتاجي.
- تونس: في المرتبة الرابعة بفضل الصناعات الإلكترونية والميكانيكية الدقيقة.
- الجزائر: في المرتبة الخامسة استناداً إلى قطاع البتروكيماويات.
كما شملت قائمة الدول الأكثر تصنيعاً كلاً من موريشيوس، نيجيريا، كينيا، غانا، وساحل العاج، مما يؤكد توسع الرقعة الصناعية في القارة.
تطرح الصناعات الحديثة، نظرا لطبيعتها التكنولوجية، تحديا يكمن في قدرتها المحدودة نسبيا على خلق فرص شغل واسعة، مما يفرض ضرورة دعم الصناعات المشغلة بكثافة، وتحسين مدى ملاءمة التكوينات المتاحة مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
ركائز الريادة الصناعية للمملكة
تستند هذه الصدارة إلى منظومة متكاملة من العوامل التي عززت جاذبية المغرب الصناعية:
- الاستقرار المؤسساتي: رؤية اقتصادية بعيدة المدى توفر بيئة آمنة للاستثمارات.
- البنية التحتية اللوجيستيكية: يمثل ميناء طنجة المتوسط منصة محورية لربط النسيج الصناعي الوطني بالأسواق العالمية.
- المنظومات الصناعية المندمجة: تعزيز التنافسية عبر دمج الشركات العالمية والمقاولات الوطنية والموردين المحليين.
- تنوع القاعدة الإنتاجية: من السيارات والطيران إلى الصناعات الدوائية، والكيماوية، والتقنيات الخضراء كبطاريات السيارات الكهربائية والهيدروجين.
- الرأسمال البشري: تطوير مؤسسات التكوين المهني والتعليم العالي لتلبية احتياجات السوق.
تحديات استدامة الصدارة
رغم هذا التقدم، يشدد التقرير على ضرورة مواجهة تحديات جوهرية لضمان استدامة الريادة، منها:
- تعزيز السيادة الصناعية: تقليل الاعتماد على استيراد مدخلات الإنتاج وتوطين التكنولوجيا الحديثة عبر البحث العلمي.
- العدالة المجالية: توسيع الاستثمارات الصناعية خارج محاور الدار البيضاء-القنيطرة وطنجة-تطوان لتشمل باقي جهات المملكة.
- تنشيط الاستثمار الخاص الوطني: تحفيز المقاولات الوطنية للولوج إلى القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
- تطوير الحكامة الاقتصادية: تبسيط المساطر الإدارية وتسريع الرقمنة لتعزيز الشفافية وجذب المستثمرين.
إن تصدر المغرب للمشهد الصناعي الأفريقي ليس مجرد رقم في تصنيف، بل هو ثمرة مسار تنموي طموح يتطلب اليوم تعميق التحول نحو سيادة صناعية شاملة، توازن بين الابتكار التكنولوجي والعدالة المجالية، وتضمن توزيعاً عادلاً لثمار النمو الاقتصادي.


