لم تكن بلدة تشن داي، الواقعة على أطراف مدينة جينجيانغ بمقاطعة فوجيان الساحلية، قبل عقود قليلة سوى منطقة زراعية هادئة تعتمد في اقتصادها على صيد الأسماك والزراعة التقليدية. لكن مع انطلاق سياسات الإصلاح الاقتصادي الصينية في ثمانينيات القرن الماضي، شهدت البلدة تحولاً جذرياً جعلها اليوم واحدة من أكثر البقاع كثافة صناعية على مستوى العالم.
تتربع تشن داي على مساحة لا تتجاوز 39 كيلومتراً مربعاً، وهي مساحة أصغر من أحياء سكنية في مدن كبرى، إلا أنها تحتضن أكثر من 3000 مصنع للأحذية. وتعمل هذه المصانع على مدار الساعة بطاقة إنتاجية ضخمة، لتنتج وحدها نحو 40 بالمئة من إجمالي الأحذية الرياضية والكاجوال في الصين.
مهد عمالقة الصناعة العالمية
تكمن القيمة الاستراتيجية للبلدة في كونها المهد الفعلي لعلامات تجارية باتت اليوم تنافس عمالقة الصناعة العالميين مثل نايكي وأديداس. ومن بين هذه الشركات: أنتا، التي تعد اليوم من أكبر شركات الملابس الرياضية في العالم من حيث الإيرادات، بالإضافة إلى شركات شيتيب، 361 درجة، بيك، وهونغ شينغ إيركي.
قصة نجاح هذه الشركات بدأت من ورش عائلية صغيرة داخل البلدة، تطورت تدريجياً لتتحول إلى كيانات عملاقة، ومن أبرز محطات شهرتها عالمياً وعربياً العلامة التجارية هونغ شينغ إيركي، التي حظيت بتعاطف واسع عام 2021 إثر مبادرتها الإنسانية بالتبرع لضحايا الفيضانات رغم تحدياتها المالية.
تحديات النمو المتسارع
خلف هذا النمو الصناعي المتسارع، برزت تحديات هيكلية تتعلق بالبنية التحتية ومعايير السلامة. فبسبب التوسع العضوي والسريع، لا تزال العديد من المصانع تعمل داخل مبانٍ قديمة شيدت في مراحل التوسع الأولى، دون أن تخضع دائماً لتقييمات هندسية تتماشى مع الكثافة الإنتاجية والعمالية الحالية.
وتشير تقارير السلامة الصناعية إلى انتشار ظاهرة المصانع الثلاثية في المنطقة، وهي مبانٍ ذاتية البناء تجمع في هيكلها الواحد بين الإنتاج والتخزين وسكن العمال، وهو نمط يختلف جوهرياً عن المجمعات الصناعية المخططة مركزياً.
عصب الإنتاج: العمالة المهاجرة
يعتمد النموذج الاقتصادي في تشن داي بشكل كلي على العمالة المهاجرة القادمة من الأقاليم الصينية الداخلية الأكثر فقراً. هؤلاء العمال يقطعون آلاف الكيلومترات للعمل بنظام الورديات الثلاث، مما يضمن استمرارية خطوط الإنتاج دون توقف.
هذا التدفق المستمر لليد العاملة الوافدة وضع جينجيانغ وتشن داي في قلب معادلة سلاسل التوريد العالمية، لكنه في الوقت ذاته يفرض ضغوطاً متزايدة على أنظمة السلامة وتوفير السكن الملائم لهذه الأعداد الكبيرة من العمال، في ظل اقتصاد يعتمد على السرعة والإنتاج المكثف.


