في ظل هدنة هشة لا تزال تختبر تماسكها، يواجه الاقتصاد الإيراني طريقاً وعراً نحو التعافي، حيث تتراكم التداعيات الاقتصادية لسنوات من سوء الإدارة، والعقوبات الدولية، والآثار المدمرة للنزاعات العسكرية الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
مؤشرات اقتصادية تنذر بالخطر
تشير البيانات الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني إلى تدهور حاد في القدرة الشرائية، حيث ارتفع معدل التضخم السنوي بنسبة 88.6% في شهر خورداد (المنتهي في 21 يونيو)، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وقد طالت موجة الغلاء المواد الأساسية بشكل قياسي، حيث قفزت أسعار الزيوت والدهون بأكثر من 278%، بينما ارتفعت أسعار اللحوم والدواجن بنسبة 178%، والخبز والحبوب بنسبة 139%.
وعلى صعيد سوق العمل، لا يتجاوز معدل المشاركة في القوى العاملة 40%، مع بلوغ معدل البطالة بين الشباب أكثر من 20%. وفي ظل انخفاض قيمة العملة المحلية، حيث وصل سعر الصرف إلى 1.75 مليون ريال مقابل الدولار الواحد، لم يعد الحد الأدنى للأجور الشهرية يتجاوز 95 دولاراً أمريكياً في السوق المفتوحة.
الركود وانكماش الناتج المحلي
كشف تقرير البنك المركزي الإيراني عن انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.7%، مع تراجع حاد في تكوين رأس المال الثابت بنسبة قاربت 12%. وتتوقع مؤسسات دولية، بما في ذلك صندوق النقد الدولي، أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6.1% خلال عام 2026، متأثراً بتبعات القصف المكثف، والحصار البحري للموانئ الجنوبية، وانقطاع الإنترنت الطويل.
ويرى الخبير الاقتصادي مهدي قدسي أن التعافي ممكن جزئياً إذا توقفت التصعيدات العسكرية واستقرت سلاسل الإمداد والطاقة، مشيراً إلى أن بعض الأنشطة الخدمية والتجارية قد تتعافى سريعاً. ومع ذلك، حذر قدسي من أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الصناعية والمصانع تتطلب استثمارات ضخمة وتمويلاً خارجياً قد يستغرق سنوات لتحقيقه.
تحديات إعادة الإعمار والضغوط السياسية
أظهرت صور الأقمار الصناعية حجم الدمار الذي طال مرافق حيوية، بدءاً من مجمعات النفط والغاز، وصولاً إلى البنية التحتية للكهرباء والمصانع الاستراتيجية مثل صناعات الإلكترونيات الإيرانية. وفي حين بدأت بعض المنشآت في استئناف عملياتها، إلا أن شبح التصعيد العسكري يظل قائماً، خاصة مع التهديدات باستهداف شبكة الكهرباء والجسور في حال تجدد النزاع.
داخلياً، يتصاعد القلق في أروقة السلطة من تداعيات هذا التدهور الاقتصادي على الاستقرار الاجتماعي. وقد عبر الرئيس مسعود بزشكيان عن مخاوفه من اندلاع احتجاجات شعبية نتيجة تفاقم السخط العام، مؤكداً أن انهيار الخدمة يعني انهيار القوة. وبينما تدفع الحكومة نحو مسار المفاوضات كوسيلة وحيدة لتحسين الوضع المعيشي، تواجه هذه التوجهات معارضة شرسة من التيارات المتشددة التي ترفض أي تنازلات سياسية، وهو ما انعكس في الهتافات التي واجهت بزشكيان خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل.


