يتصاعد الجدل العالمي حول تأثير تطبيقات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، وسط تباين في رؤى الخبراء الاقتصاديين حول سرعة التحول وحجمه. وتأتي هذه التساؤلات في وقت تشهد فيه شركات التكنولوجيا الكبرى سباقاً محموماً لضخ استثمارات هائلة، بلغت نحو تريليون دولار خلال عامي 2025 و2026، مما أثار تحذيرات من بنك التسويات الدولية بشأن انهيار استثماري محتمل نتيجة الإنفاق المفرط.
ويقدم ثلاثة اقتصاديين بارزين - ديفيد أوتور من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأنطون كورينيك من جامعة فرجينيا، ومارثا غيمبل من جامعة ييل - تحليلات متباينة لهذا المشهد:
رؤى اقتصادية: هل نحن أمام أزمة عمل؟
يرى كورينيك أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تراجع حصة العمل من الدخل إلى ما دون 50%، مشيراً إلى أن قدرة الآلات على أداء وظائف معرفية وجسدية ستخفض الطلب على العمالة البشرية. في المقابل، يتبنى أوتور نظرة أكثر تفاؤلاً، مؤكداً أن التكنولوجيا ستعيد تشكيل الوظائف بدلاً من إلغائها، مستشهداً بقدرة الاقتصاد على خلق مهن جديدة لم تكن موجودة سابقاً، مثل علماء البيانات.

من جانبها، تؤكد غيمبل أن التفاعل الإنساني يظل قيمة اقتصادية لا يمكن تحويلها إلى مجرد نماذج رقمية، مشددة على أن الوظائف المعقدة التي تتطلب حساً بشرياً ستظل محصنة ضد الأتمتة الكاملة.
الوظائف المكتبية في مهب الريح
يتفق الخبراء على أن الوظائف المكتبية التي تعتمد على تجميع المعلومات والمهام الروتينية، مثل مراكز الاتصال والمحاسبة البسيطة، هي الأكثر عرضة للضغط. ويشير أوتور إلى أن هذا التراجع قد يؤثر بشكل خاص على العمالة في الدول النامية التي تعتمد على تقديم خدمات إدارية منخفضة الأجر للشركات الغربية.

تأثير الذكاء الاصطناعي على الدول العربية
وفي السياق العربي، يرى استشاري التسويق الرقمي حسن خرجوج أن الأتمتة ستبدأ بالمهام المتكررة والقابلة للمعالجة الرقمية. ويؤكد أن الخطر الحقيقي يكمن في التهميش الذي قد يواجهه الخريجون الجدد إذا لم يمتلكوا مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي. ويوضح خرجوج أن الدول العربية أمام خيارين: إما استيراد التكنولوجيا لتقليص الأجور، أو التحول إلى منتج لها عبر بناء اقتصاد رقمي يدعم قطاعات الصحة والتعليم والفلاحة.

حدود صعود الآلة
رغم التقدم التقني، يحدد الخبراء مجالات يظل فيها البشر متفوقين، مثل الرعاية الطبية لكبار السن والتعليم والمهن التي تعتمد على التواصل الإنساني المباشر. ويخلص الخبراء إلى أن الطريق الأمثل للتعامل مع هذا التحول يكمن في إصلاح منظومة التعليم لتدمج الذكاء الاصطناعي كمهارة أساسية، ووضع أطر قانونية تضمن الرقابة البشرية في القرارات المصيرية.


