كرة القدم: حين تتحول اللعبة الشعبية إلى معتقد عابر للحدود والحروب

كرة القدم: حين تتحول اللعبة الشعبية إلى معتقد عا

لا يمكن تصور العالم المعاصر من دون كرة القدم؛ فهي ليست مجرد لعبة للتسلية، بل باتت تشكل معتقداً وضعياً يجسد الأنا الجمعي للشعوب، وتقترن بطقوس وطنية وعالمية تتجاوز في تأثيرها أي رياضة جماعية أخرى. إن الحماس الذي تذكيه هذه اللعبة لا يضاهيه أي نشاط بشري، حيث يمكن أن تنهار أمم في حالة حزن أو تخرج أخرى في احتفالات صاخبة بمجرد صافرة حكم.

أخذت (كرة القدم) عن الحرب روحها، من إيمان، وتعبئة وتحشيد، وأساليب الحرب، من هجوم، وهجوم مضاد، ودفاع، وتكتيك، وثأر، ويضطلع المدرب بدور قائد الأركان، وتقاس تصريحاته بالميزان، ويمكن أن يتبنى التمويه، والتضليل، ككل قائد أركان.

ما وراء المستطيل الأخضر

تطورت كرة القدم من مجرد توليفة ألعاب عمالية في بريطانيا منتصف القرن الـ19، لتصبح بعد الحرب العالمية الكبرى تحويلاً للعنف. لقد استعارت من الحروب روحها وتكتيكاتها، حيث يضحي اللاعبون الذين يقودون فرقهم للانتصار أبطالاً قوميين، بينما قد يواجه من يخذلون جماهيرهم مصائر قاسية، كما حدث في تاريخ المونديال من حوادث مأساوية أو عزلة اختيارية لنجوم أهدروا فرصاً حاسمة.

يغدو اللاعبون الذين قادوا إلى الانتصار، إما بتسجيلهم، أو صدهم لضربات، أبطالا، أما من لم يسعفهم الحظ، وكانوا وراء هزيمة، فقلما تتغاضى الجماهير عنهم.

سياسة الهوية والمال

لم تعد كرة القدم بعيدة عن أروقة السياسة؛ فالحكومات تستخدمها لتمتين الانتماء الوطني، كما فعلت فرنسا بعد مونديال 1998 بشعار أسود، أبيض، عربي، وهو ما يعكس قدرة الرياضة على صهر المكونات الاجتماعية. ومع ذلك، لا يمكن التغاضي عن الجوانب المظلمة؛ فالإيمان الأعمى باللعبة قد يتحول إلى تعصب وكراهية، فضلاً عن سيطرة المال والشركات التي جعلت الانتماء للأندية والمنتخبات يبدو سائلاً ومؤقتاً.

لا يمكن التستر عن عيوب تقع فيها كرة القدم. الإيمان الأعمى بها، يتحول إلى تعصب، ورفض للآخر، وافتراء عليه، وما يراد أن يتم تصريفه، بطريقة متمدنة، أي العنف، يعود بشكل فج، في الملعب، وفي المدرجات، وخارج المدرجات، ويقترن ذلك بالكراهية.

نحو فلسفة رياضية جديدة

في عالم تزداد فيه الصراعات، تظل كرة القدم حرباً نظيفة لا تترك دماراً أو ضحايا. ومع ذلك، فهي بحاجة اليوم إلى جرعة من الفلسفة لاستعادة غايتها النبيلة في تعارف الشعوب. إن الانتصار في مباراة كروية لا يعفي المجتمعات من واجبها في الانتصار على الفقر والتفاوتات الاجتماعية، ويبقى الرهان على أن تظل هذه اللعبة أداة للتقارب، لا وسيلة للبغضاء والشحن.

أرى أن تقترن مباريات الكرة، مع من يذكر بالغاية منها، حتى لا أقول المفكرين، وهي تعارف الشعوب، وأن الانتصار في مباراة، أيا كان، لا يعفي من انتصار على الفقر والتفاوتات الاجتماعية.
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص