أعاد انهيار حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في يونيو 2026 طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة المالية العامة في بريطانيا على تمويل أولويات الدولة، وذلك بعد عقد كامل من استفتاء عام 2016 الذي أدى إلى خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي، وما تبعه من تآكل في قاعدة الإيرادات العامة.
لم يعد النقاش الاقتصادي الراهن في لندن محصوراً في تقدير حجم الناتج المحلي المفقود، بل انتقل إلى أزمة هامش المناورة أمام الحكومات المتعاقبة، في ظل قيود صارمة على الاقتراض وتعهدات انتخابية تمنع رفع الضرائب الرئيسية، مما جعل خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي قيداً هيكلياً ملازماً لكل موازنة جديدة.
تكلفة الاقتصاد الأصغر
تشير تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى خفض إنتاجية الاقتصاد على المدى الطويل بنحو 4%، نتيجة تراجع كثافة التجارة بنسبة 15%. ويؤكد خبراء اقتصاديون أن هذا التراجع يمثل عبئاً هيكلياً دائماً يتمثل في اقتصاد أصغر وقاعدة ضريبية أضعف.

وبحسب حسابات منصة بريكست فاكت بيس، فإن هذه الخسارة تعادل نحو 116 مليار جنيه إسترليني سنوياً (قرابة 153.1 مليار دولار). في حين ذهبت تقديرات أخرى، مثل بنك غولدمان ساكس، إلى توقع انخفاض الناتج طويل الأجل بنسبة قد تصل إلى 8%.
الإيرادات الضريبية: جوهر الأزمة
تعد قدرة أي حكومة على الإنفاق مرهونة بحجم إيراداتها الضريبية. ووفقاً للباحث في مركز الإصلاح الأوروبي، جون سبرينغفورد، فإن انخفاض الإنتاجية بنسبة 4% يعني خسارة سنوية تناهز 40 مليار جنيه إسترليني من الإيرادات الضريبية. ويشير سبرينغفورد إلى أن الزيادات الضريبية التي أُقرت بين عامي 2019 و2024، والتي بلغت نحو 100 مليار جنيه إسترليني، كان يمكن تجنب معظمها لو بقيت بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي.

ويحذر معهد الدراسات المالية من أن سد هذه الفجوة يتطلب سنوات من إجراءات التقشف، حيث يؤدي استمرار النقص في الإيرادات إلى بقاء الدين العام عند مستويات مرتفعة، مما يفاقم تكاليف خدمة الدين ويحول الخسارة الضريبية إلى ضغوط مالية متراكمة.
عائد تجاري خيالي
راهن مؤيدو الخروج على أن حرية إبرام اتفاقيات تجارية عالمية ستعوض خسارة السوق الأوروبية، إلا أن مركز الأداء الاقتصادي في كلية لندن للاقتصاد وصف هذه الإستراتيجية بأنها خيال. فالاتفاقيات الموقعة منذ عام 2016 لن ترفع حجم الاقتصاد إلا بنسبة 0.47% فقط، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بالخسائر الاقتصادية الناتجة عن الخروج.
تداخل القيود وسقوط الحكومة
تكمن خصوصية الحالة البريطانية في تداخل ثلاثة قيود مالية خانقة:
- تعهدات انتخابية: بعدم رفع ضريبة الدخل، والتأمين الوطني، وضريبة القيمة المضافة.
- قواعد الانضباط المالي: التي تفرض خفض الدين العام وتحقيق التوازن، مما يجعل أي عجز في الإيرادات يتطلب تقليصاً مؤلماً في الإنفاق العام.
- ضغوط الأسواق المالية: التي أصبحت أكثر تشدداً تجاه أي توسع مالي غير ممول بعد أزمة موازنة 2022.

إن اجتماع هذه العوامل حول موازنات الدولة إلى معادلة صفرية، حيث أصبحت أي زيادة في الإنفاق (دفاع، صحة، رعاية اجتماعية) تستوجب اقتطاعاً من بند آخر، وهو ما حوّل خلافات الموازنة في يونيو 2026 إلى أزمة سياسية أطاحت بالحكومة.

وفي حين يجادل البعض بأن بريكست ليس العامل الوحيد، مشيرين إلى تداعيات الجائحة وأزمة الطاقة، إلا أن الدراسات الاقتصادية المعتمدة على منهجية النظير الافتراضي تؤكد أن خروج بريطانيا أضاف عبئاً هيكلياً دائماً، يحد من قدرة الدولة على مواجهة الأزمات المستقبلية.


