بعد ثماني سنوات على توقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية في كيغالي، وسبع سنوات على دخولها حيز التنفيذ، لا يزال المشروع الأكبر للتكامل الاقتصادي في القارة يراوح مكانه، عالقاً بين الالتزام السياسي وبطء التنفيذ الميداني. هذا التعثر لا يقتصر على تأخير النمو، بل يمتد ليحمل القارة كلفة اقتصادية باهظة تؤثر على سلاسل القيمة والتصنيع والخدمات.
واقع التبادل التجاري: أرقام دون الطموح
وفقاً لتقرير التجارة الأفريقية لعام 2026، سجلت تجارة السلع الأساسية نمواً بنسبة 6.1% لتبلغ 1.5 تريليون دولار، بينما ارتفعت التجارة البينية الأفريقية بنسبة 5.5% لتصل إلى 213.8 مليار دولار. ومع ذلك، تظل التجارة البينية لا تتجاوز 15% من إجمالي تجارة القارة، في ظل اعتماد مفرط على الشركاء التجاريين خارج الحدود الأفريقية.
ويؤكد الخبير الاقتصادي سيد الخير عمرو أن هذه المؤشرات تعكس ضعفاً في القدرة على بناء سلاسل قيمة إقليمية، مشيراً إلى أن التفعيل الكامل للاتفاقية كفيل برفع التجارة البينية بنسبة تتجاوز 52% عبر إلغاء الرسوم الجمركية.
عوائق التفعيل: لماذا تتعثر القارة؟
يرى لحسن حداد، نائب رئيس مجلس المستشارين بالمغرب، أن جملة من التحديات الهيكلية تقف أمام التنفيذ، أبرزها:
- ضعف البنية التحتية: حيث تظل تكلفة النقل اللوجستي داخل القارة من بين الأعلى عالمياً.
- الحواجز غير الجمركية: المتمثلة في التعقيدات الإدارية واختلاف المعايير التقنية والصحية.
- التخوفات الاقتصادية: خشية بعض الدول من تضرر صناعاتها الوطنية الناشئة.
- ضعف التكامل المالي: تعقد أنظمة الدفع والتحويلات البينية.
من جانبه، يضيف رشيد ساري، رئيس المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، عوامل أخرى تتمثل في التوترات الأمنية، غياب التنوع الاقتصادي، والارتهان المستمر للأسواق الخارجية، مؤكداً أن مساهمة أفريقيا في الاقتصاد العالمي لا تزال هزيلة ولا تتعدى 1% رغم امتلاكها ثروات معدنية هائلة.
فاتورة الخسائر والفرص الضائعة
تشير تقديرات تقرير المستقبل الأفريقي لعام 2026 إلى أن استمرار حالة الجمود قد يكبد القارة خسائر فادحة بحلول عام 2043، منها:
- خسارة 110.3 مليارات دولار كقيمة مضافة في قطاع التصنيع.
- ضياع فرص نمو بقيمة 397.6 مليار دولار في قطاع الخدمات.
- بقاء حصة الصادرات الأفريقية عند مستوى متدنٍ لا يتجاوز 3.5% من الإجمالي العالمي.
آفاق المستقبل: نحو سوق موحدة
على الرغم من التحديات، يظل التفعيل الكامل للاتفاقية بمثابة طوق نجاة استراتيجي، إذ يمكن أن يثمر عن:
- إنشاء سوق موحدة تضم أكثر من 1.3 مليار مستهلك وبناتج محلي يناهز 3.4 تريليونات دولار.
- تعزيز جاذبية القارة للاستثمارات الأجنبية الباحثة عن أسواق متكاملة.
- تحقيق الأمن الغذائي عبر تسهيل حركة المنتجات الزراعية والثروات الحيوانية بين الدول الأفريقية.


