مع اقتراب تكبيرات العيد تتدفق جموع المواطنين صوب الأسواق ومحلات الصرافة لتأمين متطلبات الفرحة في أيام يُفترض بها أن تكون ذروة في التراحم والتعاطف والسكينة لكن الواقع المرير يكشف عن وجه آخر صادم حيث تتحول الأسواق إلى ساحات مشحونة بالتوتر وتبدل أخلاق بعض العاملين في القطاعات الخدمية والتجارية إلى فظاظة تفتقر لأدنى معايير الإنسانية والمهنية وبين صراخ موظف صرافة في وجه عميل يُعطيه أوراقاً نقدية تالفة أو مشوهة ومجتزأة من عملات أخرى لا تصلح للتداول ويستحيل على المواطن صرفها في السوق ثم يثور غضباً ويرفع صوته حد الشجار إذا تجرأ العميل على طلب استبدالها في نفس لحظة استلام الحوالة على الشباك وبين تاجر ملابس يمارس الاستعلاء مستغلاً غياب طفل لم يحضر لقياس كسوته تضيع بهجة العيد وتتحول فرحة الأطفال إلى غصة في قلوب أمهاتهم وآبائهم إن هذا التبدل الأخلاقي الفج يمثل ظاهرة تستدعي التوقف الحازم وتتجلى أبشع صورها في قطاع الصرافة حين يتحول الموظف من مقدم خدمة أمين إلى مصدر للترهيب اللفظي والنفسي متخلصاً من الأوراق المتهالكة برميها في وجه العميل العادي ومستغلاً حالة الزحام الشديد لفرض أمر واقع يجبر المواطن على مغادرة المحل بمال ناقص المنفعة في سلوك يضرب عرض الحائط بأدبيات العمل المصرفي ومبادئ الأمانة وحقوق المستهلك.
ولا يقل عن ذلك تغول محلات الملابس والأحذية حيث لا تقتصر المعاناة على المبالغ الخيالية والفاحشة في الأسعار بل يرافقها هجوم لفظي شرس إذا تجرأ العميل على الفصال وتظهر هذه الفظاظة بأبشع صورها عندما تكون المتسوقة امرأة حيث يستغل بعض التجار غياب السند ليرفعوا أصواتهم ويرفضوا التعامل معها بمرونة وأدب في سلوك يضرب قيم الشهامة والرجولة والأعراف اليمنية وتتجلى المأساة الأكبر في قصة الأم والطفل الغائب حين تشتري الأم قطعة ملابس لطفلها الذي تركته في المنزل لعدم قدرتها على اصطحاب الأطفال في زحام الأسواق خانق الأنفاس وعندما تعود في اليوم التالي لتكتشف أن المقاس غير مناسب تصطدم بجدار من الرفض العنيف خاصة إذا لم تتوفر لدى التاجر مقاسات بديلة فيرفض التاجر إعادة المبلغ متناسياً أن المال ملك للعميل وأن البيع يقوم على الرضا والمنفعة وتتضاعف هذه المعاناة عندما يكون العميل من أبناء الريف والمناطق النائية الذين يتكبدون عناء السفر ومصاريف التنقل الشاقة فإن حصر مهلة الاستبدال بأربع وعشرين ساعة هو تعجيز متعمد وظلم صارخ لإنسان لا يملك ترف السفر اليومي إلى المدينة ولا يسعفه الوقت للعودة الفورية لإصلاح خطأ في مقاس سلعة اشتراها بناءً على تخمين أعمى بمساعدة البائع نفسه.
وأمام هذا التغول يحاول بعض التجار التستر خلف عبارات مطبوعة على الفواتير مثل البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل أو حصرها بمدد زمنية تعجيزية ظناً منهم أن هذه العبارات تمنحهم حصانة قانونية وهذا جهل فاضح بالقانون التجاري والمدني اليمني فوفقاً لأحكام القانون المدني اليمني فإن عقد البيع يقتضي خلو المبيع من العيوب وصلاحيته للمنفعة المقصودة منه وعدم تناسب المقاس مع الطفل الغائب يجعل السلعة غير نافعة للمشتري ومن حقه شرعاً وقانوناً فسخ العقد واسترداد الثمن إذا انعدم البديل لأن الأصل في البيوع هو التراضي الكامل وفق المادة مائتين وأربعة من القانون المدني كما أن القانون التجاري وقواعد حماية المستهلك اليمنية تُصنف العبارات التعسفية مثل البضاعة لا ترد كشروط إذعانية باطلة لا يعتد بها القضاء ولا تملك أي حجية قانونية فالقانون يلزم التاجر بالشفافية والأمانة ويمنح المشتري الحق في إرجاع السلعة واسترداد ماله إذا تبين عدم مطابقتها للحاجة المقاصة منها خاصة في بيوع المواسم التي يُبنى فيها الخيار على شرط التجربة والمقاس وكل شرط يضعف من حقوق المستهلك الأساسية أو يعفيه من رد الثمن عند عدم تحقق المنفعة من المبيع هو شرط باطل شرعاً وقانوناً وبالمثل فإن شركات الصرافة ملزمة بقوانين البنك المركزي بتسليم عملة قانونية سليمة وقابلة للتداول وتمتلك هي وحدها قنوات رسمية لاستبدال التالف بينما يعد فرضها بالقوة على المواطن العادي تلاعباً بالنظام النقدي وجريمة إضرار عمدي بمصالح المستهلك.
إن الأخلاق ليست ثوباً نرتديه في مواسم الرخاء ونخلعه في مواسم الزحام والربح والضغط المروري في العمل لا يبرر أبداً سلب المواطن كرامته أو إجباره على قبول ورق نقدي ممزق أو أكل ماله بالباطل بمصادرة ثمن كسوة لم يستفد منها طفله والبركة في التجارة والمعاملات المالية تكمن في السموح واللين كما وجهنا ديننا بالرحمة في البيع والشراء والاقتضاء وعليه فإن الضمير الإنساني يحتم على أصحاب الشركات والمنشآت المصرفية والمحلات التجارية مراقبة موظفيهم وتوجيههم وتذكيرهم بأن عوز الناس واضطرارهم للشراء أو سحب الحوالات ليس صك استعباد لهم كما يتطلب الأمر من وزارة الصناعة والتجارة وجمعية حماية المستهلك والجهات الرقابية والضبطية للبنك المركزي تسيير حملات رقابية صارمة قبل العيد لحماية المواطنين من الابتزاز ومعاقبة المحلات والشركات التي ترفع أصواتها على العملاء أو ترفض إرجاع المبالغ واستبدال النقود التالفة فوراً لاسيما القادمين من الأرياف والنساء فالعيد هو تجسيد لقيم الطهر والتسامح ومن المعيب جداً أن نبدأ هذا العيد بكسر قلوب الأمهات وقهر الآباء وحرمان الأطفال من فرحة الكسوة بسبب جشع عابر وفظاظة غائبة عن قيم ديننا وأعراف مجتمعنا اليمني الأصيل الشهم.


