بقلم /عبد الإله عطشان بقلم /عبد الإله عطشان
سيكولوجيا الاستِلاب والتأثيث العصبي لصناعة التفاهة

تتجاوز ظاهرة الانغماس الجمعي في مشهدية المحتوى الرقمي الضحل عبر منصات البث والتدفق الاتصالي كالتيك توك واليوتيوب وإنستغرام وسناب شات الحدود التقليدية للترفيه العابر لتبسط ظلالها كبنية مرضية متكاملة تقع في تقاطع علم النفس العصبي والتحليل السلوكي الافتراضي إن ما يُصطلح عليه اليوم بـ صناعة التفاهة ليس نتاجاً لعشوائية رقمية بل هو هندسة سلوكية موجّهة بدقة عبر خوارزميات صُممت خصيصاً للتلاعب الكيميائي بنظام المكافأة داخل الدماغ البشري حيث تعمل هذه المنصات كمحفزات اصطناعية تفرز دفقات متلاحقة من الدوبامين اللحظي مما يخلّ بالتوازن الحيوي للمستقبلات العصبية ويدفع صانع المحتوى والمتلقي على حد سواء إلى دوامة قهرية من الاعتماد السلوكي تعيد صياغة العمارة المعرفية للفرد وفي هذا الفضاء السائل خضعت البنية القيمية لعملية إعادة تقييم جذري ترتد نحو البدائية إذ تحول التسطيح المعرفي والابتذال السلوكي من وصمة اجتماعية تستوجب الحياء الكامن في الفطرة السوية إلى رأس مال رمزي واقتصادي ممتد يحقق عوائد سريعة في ظل بيئة رأسمالية انتباهية تقتات على إثارة الغرائز الدنيا ونتيجة لتمدد هذا الهوس النرجسي بحصد المؤشرات الرقمية واستجداء الاستجابات الوجدانية من جماهير افتراضية هلامية يندفع صناع هذه المواد نحو تفكيك الوقار الإنساني والتحلل من الضوابط الأخلاقية والمحددات الدينية السامية وهو ما يُشخَّص في السيكولوجيا التحليلية كحالة حادة من الاستلاب النفسي واغتراب الهوية حيث يتخلى الفرد عن مركزيته الوجودية ويقايض كرامته الفطرية بوجود افتراضي هش مؤدياً إلى ارتداد نكوصي ينحدر بالوعي البشري نحو مستويات بدائية من التعبير والتعرّي السلوكي.

 

​ومن منظور النظرية المعرفية السلوكية والتحليل النفسي السريري فإن هذا التعاطي المكثف والمستمر مع المادة الرقمية الهابطة ينتج لدى المتلقي متلازمة إزالة التحسس التدريجي الممنهج والبلادة الوجدانية البطيئة فالتكرار البصري والسمعي لمشاهد الخروج على السلوك القويم والمنظومة القيمية يخلخل الحساسية الوجدانية والنقدية للمحاكمة العقلية فيألف الوعي الإنساني القبح والمنكر حتى يتشرب المبتذل كمعيار طبيعي وسلوك مألوف هذا التآكل الصامت لا يقتصر على تخريب الذائقة الجمالية فحسب بل يعمل كأداة هدم تفكيكية تستهدف الأنا الأعلى الاجتماعي والمنظومة الأخلاقية العقائدية التي تقي المجتمعات من التحلل السايكولوجي والانهيار الحضاري حيث يتم إزاحة النماذج الملهمة والرموز الحقيقية من علماء ومفكرين ومصلحين ليحل محلهم في صدارة النجومية نجوم الغفلة المشوهون مكرسين الجهل والسطحية كأدوات للترقي الاجتماعي والمشروعية الحياتية إن الخطورة الوجودية الكامنة في هذا المرض النفسي والاجتماعي الممنهج تتمثل في قدرته الفائقة على عزل الكائن المستخلف عن غاياته الوجودية الكبرى وأدواره الإعمارية في الأرض حيث يتحول المجتمع تدريجياً إلى كتلة حيوية مسلوبة الإرادة ترتع في تبعية مطلقة لـ الوهم الرقمي وتستعذب السقوط القيمي تحت غطاء العصرنة والترفيه والتسلية بينما هو في عمقه تشويه للمسار السيكولوجي واغتراب تام عن الفطرة الإنسانية التي كرم الله بها الإنسان وجعل محركها العقل والمسؤولية الأخلاقية والروحية السامية.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص