إرث وطني في مواجهة التحديات
استطاع الأردن، على امتداد تاريخه، أن يحول التنوع الإثني والديني إلى حالة وطنية جامعة، حيث انصهرت مكونات المجتمع في نسيج واحد يستند إلى الهوية العربية والمواطنة الكاملة. وتعد الكرك نموذجاً فريداً لهذا التعايش، إذ عاش المسلمون والمسيحيون فيها جنباً إلى جنب في بيئة قوامها الوئام، وتداخلت فيها الأحلاف العشائرية لتتجاوز حدود الدين والمذهب، وجعلت من التنوع مصدر قوة لا فرقة.
إن الأردن يمتلك أجهزة أمنية قادرة على حماية أمنه واستقراره، ولكن الأمن، بمعناه الشامل، لا يتحقق بالأجهزة والإجراءات وحدها. نحن بحاجة إلى إحياء منظومتنا الأخلاقية والقيمية، وتعزيز مفهوم المواطنة المتساوية، وترسيخ احترام الأديان والأعراق والأصول، وإعادة الاعتبار إلى التربية الوطنية التي تجعل من الاختلاف مصدر غنى للمجتمع، لا مدخلا إلى التناحر والانقسام.
ما وراء الجريمة: أزمة وعي أم خلل مؤسسي؟
إن وقوع جريمة إرهابية في الكرك يمثل صدمة وطنية تتجاوز أبعادها الجنائية، لتطرح تساؤلات ملحة حول الدوافع التي تدفع شباباً في مقتبل العمر لتبني فكر إقصائي متطرف. إن المسألة تتصل بشكل مباشر بمنظومة التربية والثقافة والتوجيه الوطني، ومدى قدرتها على تحصين الأجيال من الأفكار الهدامة التي تسللت إلى مفاصل المجتمع.
لقد استغل البعض منابر يفترض أنها للهدى والعلم، لتحويلها إلى بيئات لنشر التطرف وتسميم عقول الشباب، بعيداً عن الرقابة الفاعلة. ولم تكن المؤسسات التعليمية والأكاديمية بمنأى عن هذا الاختراق، حيث رُصدت خطابات تقترب في مضامينها من الفكر التكفيري، وسط غياب للمواجهة الفكرية المؤسسية التي تتناسب مع حجم التهديد.
المعركة الحقيقية ليست أمنية فحسب؛ إنها معركة وعي وثقافة وتربية، معركة على عقول الأجيال وعلى القيم التي تحفظ للمجتمع تماسكه، وللدولة مناعتها، وللمواطنة معناها.
ضرورة المراجعة الوطنية الشاملة
إن غياب الرقابة أو ضعفها أدى إلى بروز ظواهر مقلقة، مثل دعوات إقصائية تنكر حقوق الآخرين بناءً على الاختلاف الديني، وهو ما يهدد تقاليد التعايش الأردني. كما ساهم سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع رقعة خطاب الكراهية، مما يفرض ضرورة إنفاذ قانون الجرائم الإلكترونية بحزم وعدالة، لضمان المساءلة عن التحريض دون المساس بحرية التعبير.
ختاماً، إن جريمة الكرك ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي جرس إنذار يستوجب مراجعة وطنية جادة لأداء المؤسسات التعليمية والثقافية والدعوية. إن الدولة القوية هي التي تحمي وحدتها الداخلية وتصون كرامة مواطنيها، وتمنع تحويل الدين إلى أداة للإقصاء، فهل نتعظ مما جرى قبل أن تتسع الشروخ في جدار وحدتنا الوطنية؟
إن جريمة الكرك ليست مجرد حادثة مؤلمة ينبغي أن تنتهي آثارها بانتهاء التحقيقات والمحاكمات؛ بل هي جرس إنذار يستوجب مراجعة وطنية جادة، تعيد الاعتبار إلى قيمنا الأصيلة، وتحصن أجيالنا من التطرف، وتحمي النموذج الأردني الذي نجح، عبر تاريخه، في تحويل الاختلاف إلى تنوع، والتنوع إلى مصدر قوة وتماسك.


