فرنسا على صفيح ساخن: ماكرون بين مطرقة الشارع وسندان العجز الاقتصادي

فرنسا على صفيح ساخن: ماكرون بين مطرقة الشارع وسندا

تشهد فرنسا حالة من الغليان الاجتماعي غير المسبوق، حيث تحولت أزمة غلاء الوقود وتدهور الخدمات العامة إلى انفجار شعبي واسع، يضع مستقبل الرئيس إيمانويل ماكرون السياسي في مهب الريح. وتتصاعد حدة الغضب في وقت تضيق فيه الخيارات الاقتصادية أمام الإدارة الفرنسية، التي تجد نفسها محاصرة بين مطالب الشارع الملحة وواقع مالي مثقل بالديون.

جذور الغضب: أزمة الوقود

تعود شرارة الاحتجاجات إلى اضطراب سلاسل إمدادات الطاقة العالمي، خاصة بعد تأثر الملاحة في مضيق هرمز وتراجع تدفقات النفط ومشتقاته، بالإضافة إلى الهجمات التي استهدفت المصافي الروسية. وقد أدى نقص المعروض وتراجع المخزونات إلى قفزات قياسية في أسعار الديزل، حيث تجاوز سعر اللتر الواحد يوروين و39 سنتاً، مما ألقى بظلاله الثقيلة على المواطن الفرنسي، خاصة في المناطق الريفية التي تعتمد كلياً على السيارات.


الاحتجاجات: من المطالب المعيشية إلى العنف

في 17 أكتوبر/تشرين الأول، خرج مئات الآلاف في مسيرات عمت مختلف المدن الفرنسية، من باريس إلى مرسيليا وليون، مطالبين بخفض الأسعار ورفع الأجور. ورغم أن الغالبية العظمى من التحركات كانت سلمية، إلا أن أعمال عنف ونهب طالت المتاجر والمباني العامة، مما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة.

وقد أظهرت استطلاعات الرأي تعاطفاً شعبياً واسعاً مع المحتجين، حيث أيّد 69% من الفرنسيين الحراك، مع ارتفاع النسبة بين الشباب وناخبي اليمين المتطرف، مما يعكس اتساع الفجوة بين سياسات قصر الإليزيه وتطلعات الشارع.


مأزق ماكرون المالي

في محاولة لاحتواء الأزمة، اتجه ماكرون نحو الخليج لتأمين إمدادات إضافية من الديزل، حيث تعهدت السعودية والإمارات والبحرين بتوفير كميات تعادل نحو 10% من استهلاك فرنسا. ومع ذلك، تبقى قدرة الرئيس على تقديم تنازلات مالية محدودة للغاية؛ فالدين العام وصل إلى مستويات قياسية تناهز 3.595 تريليونات يورو (119% من الناتج المحلي الإجمالي)، وسط توقعات بنمو اقتصادي ضعيف لا يتجاوز 0.4%.

يقف ماكرون اليوم أمام معادلة صعبة: إما المضي قدماً في سياسات تقشفية قد تؤدي إلى انفجار أوسع، أو التوسع في الإنفاق الذي سيؤدي إلى تفاقم العجز المالي، في ظل غياب أغلبية برلمانية مريحة وتراجع حاد في شعبيته التي لا تتجاوز 17%. إنها أزمة تتجاوز حدود الوقود لتكشف عن خلل بنيوي في النموذج الاقتصادي والاجتماعي الفرنسي.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص