يواجه السودان خطراً وجودياً يتجاوز تداعيات النزاع المسلح، حيث تتقاطع آثار الجفاف التاريخي مع تعثر العمليات الإنسانية، مما ينذر باتساع رقعة المجاعة التي تهدد الملايين من السكان، لا سيما في مناطق دارفور وكردفان والقضارف.
أرقام مفزعة ومستقبل غامض
تشير تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن نحو 5.1 مليون شخص يعانون بالفعل من مستويات حادة من الجوع. وتتوقع تقارير برنامج الأغذية العالمي دخول 350 ألف شخص إضافي دائرة الجوع الحاد بحلول نهاية عام 2026، مع تصاعد الأرقام لتصل إلى 1.2 مليون شخص إضافي بحلول أغسطس 2027.
المناخ والحرب: ثنائية التدمير
كشفت بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن موسم الأمطار بين يوليو وسبتمبر 2026 كان الأسوأ في السودان منذ أكثر من ثلاثة عقود. وقد سجلت مناطق استراتيجية مثل شمال دارفور وشمال كردفان والقضارف أدنى معدلات هطول للأمطار منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، مما أدى إلى تراجع حاد في المحاصيل وهزال الماشية.
وفي ولاية القضارف، التي تُعد سلة غذاء البلاد، أفاد مزارعون بأن التوقعات تشير إلى انخفاض الإنتاج بنسبة تصل إلى 75% مقارنة بالعام الماضي، مدفوعاً أيضاً بموجات حرارة قياسية تجاوزت المتوسط التاريخي.
أزمة التمويل وعوائق الإغاثة
على الرغم من مساعي برنامج الأغذية العالمي للوصول إلى خمسة ملايين محتاج، إلا أن نقص التمويل الحاد يقف عائقاً أمام تنفيذ الخطط الإغاثية. وحتى 17 أكتوبر، لم تتوفر للبرنامج سوى 276 مليون دولار، وهو ما يقل عن نصف ميزانية العام الماضي، بينما تتطلب المواجهة الطارئة للجوع الناتج عن الجفاف 134 مليون دولار إضافية.
وقد انعكس هذا العجز على أرض الواقع، حيث تم تقليص الحصص الغذائية في مخيم طويلة بدارفور إلى النصف، رغم استمرار تدفق النازحين الذين بلغ عددهم قرابة تسعة آلاف نازح جديد في غضون أسابيع قليلة.
انسداد الأفق السياسي
تتفاقم الكارثة الإنسانية في ظل تمسك أطراف النزاع بخيار الحسم العسكري. فقد رفضت قيادة الجيش مقترحات دولية لهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، مشترطة انسحاب قوات الدعم السريع، وهو ما أغلق آخر النوافذ المتاحة لإنقاذ الموسم الزراعي وتأمين ممرات الإغاثة.
وفي حين قللت سلطة بورتسودان من خطورة تراجع الإنتاج الزراعي، تؤكد المعطيات الميدانية والتقارير الدولية أن المجاعة المحتملة ليست نتاج الجفاف فحسب، بل هي نتيجة مباشرة لتعطيل الأسواق وطرق النقل ومنع وصول المساعدات، مما يجعل المدنيين هم الوقود الحقيقي لهذه الحرب.


