تستفيق بريطانيا اليوم على وقع تحولات سياسية واقتصادية عميقة تنكأ جراحاً قديمة خلّفها استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي قبل نحو 10 سنوات. فبعد فترة طويلة من التحفظ السياسي، تشهد الساحة البريطانية انفتاحاً ملموساً في النقاش العام بشأن مستقبل العلاقة مع بروكسل، مما يطرح تساؤلاً محورياً: هل أصبحت بريطانيا مستعدة فعلياً للتراجع عن قرار الخروج؟
أغلبية تؤيد العودة.. فهل تصمد؟
كشفت نتائج استطلاع أجراه معهد أبحاث السياسات العامة، بالتعاون مع مؤسسة بيرسويشن يو كيه، أن 52% من المشاركين يؤيدون عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، مقابل 29% يفضلون البقاء خارجه. وتمنح هذه الأرقام أنصار العودة أرضية سياسية مهمة، خاصة مع تراجع جاذبية الحجج التي سادت عام 2016.
واللافت أن تأييد العودة لا يقتصر على القاعدة التقليدية؛ إذ إن 54% من ناخبي حزب العمال الذين يميلون نحو حزب الإصلاح اليميني يؤيدون العودة أيضاً، مما يشير إلى أن آثار بريكست الاقتصادية تجاوزت الانقسامات الحزبية التقليدية.
وفي هذا السياق، تعهد رئيس الوزراء آندي بيرنهام بطرح خيارات لعلاقة طويلة الأمد بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي خلال قمة مرتقبة في بروكسل يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني.
تحذيرات من الاستفتاء المتعجل
ورغم الزخم الشعبي، تتبنى الكاتبة بولي توينبي موقفاً حذراً، محذرة من القفز مباشرة إلى استفتاء جديد قبل ترسخ موقف شعبي واسع. وتؤكد توينبي أن تصاعد زخم التيارات القومية داخل الاتحاد الأوروبي لا يشكل بالضرورة حجة للبقاء خارجه؛ بل قد يجعل العودة أكثر إلحاحاً، لأنها تمنح بريطانيا فرصة التأثير في اتجاه أوروبا بدلاً من الوقوف على هامشها.
بولي توينبي: تصاعد زخم التيارات القومية داخل الاتحاد الأوروبي لا يشكل بالضرورة حجة للبقاء خارجه؛ بل قد يجعل العودة أكثر إلحاحا.
البعد الاقتصادي: مشروع التخويف أم ضرورة؟
تسلط صحيفة فايننشال تايمز الضوء على التوجه لتكليف وزارة الخزانة البريطانية بإجراء تقييم للمنافع الاقتصادية لتعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. ورغم خشية بعض المحافظين من تكرار مشروع التخويف لعام 2016، إلا أن الأرقام تشير إلى فجوة واضحة؛ حيث يتوقع مكتب مسؤولية الميزانية أن يؤدي بريكست إلى خفض الإنتاجية على المدى الطويل بنحو 4%.
من جانبه، أشار محللو بنك غولدمان ساكس إلى أن الانضمام إلى السوق الموحدة قد يحقق مكاسب اقتصادية تتراوح بين 2% و5% للناتج المحلي الإجمالي البريطاني. ومع تزايد التهديدات الأمنية والسيبرانية، وتراجع اليقين بشأن التحالفات الدولية، يبدو أن ملف العودة لم يعد مجرد نقاش هامشي، بل تحول إلى قضية وجودية في صلب السياسة البريطانية.


