مع إسدال الستار على كل موسم تجاري، تضج واجهات المتاجر والمنصات الرقمية بتخفيضات كبرى قد تتجاوز 70%. خلف هذه العروض الجذابة، يكمن جانب خفي ومظلم من النشاط الاقتصادي؛ حيث توجد بضائع أُنتجت، شُحنت، وخُزنت، لكنها ظلت عالقة في منطقة الموت التجارية، دون مشترٍ يغطي قيمتها.
أرقام تكشف ضخامة الهدر
لا يوجد رقم عالمي موحد يحدد إجمالي خسائر السلع غير المباعة، نظراً لاختلاف المعايير المحاسبية بين القطاعات. ومع ذلك، تشير المؤشرات في قطاعات الغذاء والملابس إلى فجوة اقتصادية هائلة.
في قطاع الأغذية، قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2024 أن العالم أهدر نحو 1.05 مليار طن من الغذاء في 2022، بتكلفة اقتصادية تتجاوز تريليون دولار سنوياً، تشمل مراحل الاستهلاك المختلفة وتجارة التجزئة.
أما في قطاع الملابس، فتشير تقديرات الوكالة الأوروبية للبيئة إلى أن ما بين 4% و9% من المنسوجات تُتلف قبل استخدامها، بينما تبلغ حصة المنتجات غير المباعة نحو 21%. وتبرز المرتجعات كعامل ضاغط، حيث بلغت قيمتها في الولايات المتحدة وحدها نحو 849.9 مليار دولار في عام 2025.
رحلة البضائع من الرفوف إلى الإتلاف
عندما تتقادم السلعة أو يفتر الطلب، تتبع الشركات مسارات محددة لاستعادة جزء من السيولة:
- التصفية: اللجوء إلى خصومات كبرى لاستعادة رأس المال وتوفير مساحات التخزين.
- التخزين: الاحتفاظ بالبضائع أملاً في تحسن السوق، رغم ما يترتب عليه من تكاليف حمل المخزون (تأمين، مناولة، وتجميد لرأس المال).
- إعادة التدوير والتجديد: خاصة في قطاع الإلكترونيات والملابس، حيث تُصلح المنتجات أو تُفكك لاستعادة مكوناتها.
- الإتلاف النهائي: الملاذ الأخير عندما تتعذر إعادة البيع، مما يعني ضياع الموارد والآثار البيئية السلبية.
لماذا يتراكم فائض السلع؟
تتعدد أسباب هذه الظاهرة، بدءاً من أخطاء التنبؤ بالطلب، ومروراً بالموسمية التي تجعل المنتجات تفقد قيمتها بمرور الوقت، وصولاً إلى وفورات الحجم التي تدفع الشركات للإنتاج بكميات ضخمة لتقليل تكلفة الوحدة، مما يحولها إلى مخاطرة مالية في حال تعثر البيع.
تشريعات جديدة لمواجهة الهدر
بدأ الاتحاد الأوروبي في يوليو 2026 تطبيق حظر صارم على إتلاف الملابس والأحذية غير المباعة لدى الشركات الكبرى، مع فرض متطلبات إفصاح جديدة تبدأ في 2027. تهدف هذه القوانين إلى إجبار الشركات على تحسين إدارة المخزون وتبني خيارات مستدامة كالتبرع أو إعادة الاستخدام بدلاً من الطمر أو الحرق.
يظل التحدي الاقتصادي الأكبر هو تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، واعتماد أدوات تحليل بيانات متطورة تتيح للشركات ضبط إيقاع التوريد، والتمييز بدقة بين السلعة التي تحتاج إلى وقت لبيعها، وتلك التي فقدت قيمتها بالفعل وأصبحت عبئاً بيئياً ومالياً.


