بعد مرور عام على إعلان الهدنة في العاشر من أكتوبر الماضي، تلاشت الآمال التي عُلقت عليها بخصوص ترميم القطاع الصحي المتهالك في غزة. فبدلاً من أن تكون فرصة لالتقاط الأنفاس، تحولت هذه الفترة إلى استمرار لمعاناة لا تنتهي، حيث لا تزال إمدادات الأدوية والمعدات الطبية تخضع لقيود مشددة، بينما تظل عمليات الإجلاء الطبي معطلة تماماً.
انهيار تحت وطأة الحصار
ثلاث سنوات من الإبادة الجماعية تركت النظام الصحي في غزة عاجزاً عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان. ومع استمرار القصف الإسرائيلي، تستقبل العيادات يومياً مصابين بجروح بليغة، حيث قُتل أكثر من 1,470 شخصاً منذ بدء الهدنة. حتى الوصول إلى المراكز الصحية أصبح مخاطرة بالموت، وهو ما دفع منظمة المساعدة الطبية للفلسطينيين (MAP) إلى تعليق خدماتها في مناطق عدة، بعد مقتل مريض يبلغ من العمر 65 عاماً برصاص مسيرة إسرائيلية أثناء توجهه لتلقي العلاج.
أزمات علاجية مزمنة
تتفاقم معاناة المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية طويلة الأمد؛ فالمصابون ببتر الأطراف يفتقرون إلى الأطراف الصناعية والجراحات التكميلية بسبب منع السلطات الإسرائيلية دخول المستلزمات الطبية. كما يواجه مرضى السكري، والضغط، والسرطان، والفشل الكلوي مصيراً مجهولاً نتيجة انقطاع الأدوية وتوقف أجهزة العلاج الإشعاعي والغسيل الكلوي.
تجسد قصة اكتيمال، إحدى مريضات السرطان، حجم المأساة؛ إذ أدى نقص أدوات الفحص المخبري إلى تأخر تشخيص حالتها، وبمجرد اكتشاف الورم، تعطلت إجراءات الإجلاء الطبي البيروقراطية والمعقدة، لتصل إلى مصر في حالة حرجة وتفارق الحياة بعد أسبوعين فقط. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، ينتظر أكثر من 15,000 مريض في غزة الإجلاء الطبي، والعديد منهم يواجهون الموت المحقق بسبب التأخير.
نقص حاد في الأساسيات
تفتقر المستشفيات لأدنى المقومات، بما في ذلك السوائل الوريدية، والمخدر، والمستلزمات الجراحية. وتعد أزمة الأكسجين من أكثر التحديات فتكاً، حيث يعتمد أكثر من 500 مريض -بمن فيهم أطفال في العناية المركزة- على إمدادات الأكسجين على مدار الساعة.
في أغسطس الماضي، حذرت وزارة الصحة الفلسطينية من توقف 22 محطة أكسجين من أصل 34 عن العمل، مع بقاء 4 فقط من أصل 30 آلة لتعبئة الأسطوانات قيد التشغيل. وتتعمد السلطات الإسرائيلية منع دخول قطع الغيار اللازمة لإصلاح هذه المحطات بذريعة أنها مواد مزدوجة الاستخدام.
التشخيص المفقود
أدى الحصار إلى غياب أجهزة التصوير الطبي الضرورية، حيث لا يوجد في غزة جهاز رنين مغناطيسي (MRI) يعمل، ولا يتوفر سوى جهاز أو جهازين فقط للأشعة المقطعية (CT) لخدمة مليوني نسمة. هذا الواقع يضطر الأطباء لاتخاذ قرارات طبية مصيرية في ظل غياب الفحوصات والمسوحات الأساسية، مما يحول الحالات القابلة للعلاج إلى إعاقات دائمة أو وفيات يمكن تجنبها.
إن كل يوم تأخير في إدخال الأدوية أو السماح للمرضى بالخروج يعني حكماً بالإعدام على آلاف الأشخاص الذين تنفد فرصهم في النجاة يوماً بعد يوم.


