في وقت تتصاعد فيه حدة النزاع العسكري في اليمن، يجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين في معركة أخرى أكثر قسوة بعيداً عن خطوط المواجهة، وهي معركة البقاء الاقتصادي في ظل تدهور حاد في مستويات المعيشة وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية.
تتضافر عدة عوامل لتفاقم الأزمة، أبرزها انقطاع الرواتب أو عدم انتظامها، والانقسام النقدي والمصرفي الذي جعل من تحويل الأموال بين المحافظات عملية معقدة ومكلفة، مما فرض على العائلات اليمنية في عدن وصنعاء ومأرب اتخاذ خيارات تقشفية قاسية.
عدن: تآكل الأجور في مواجهة الغلاء
في العاصمة المؤقتة عدن، لا تكمن المشكلة في ندرة السلع، بل في عجز المواطنين عن شرائها. فقد فشلت الرواتب في ملاحقة الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء والإيجار والخدمات الأساسية.
توضح حالة بشرى عبد الله، وهي موظفة حكومية، حجم الفجوة المعيشية؛ إذ يبلغ راتبها 78 ألف ريال يمني، بينما تشير تقديرات مبادرة تتبع الاقتصاد اليمني إلى أن تكلفة الاحتياجات الغذائية الأساسية لأسرة متوسطة تتجاوز 130 ألف ريال، دون احتساب تكاليف السكن والعلاج. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قد انخفض بنسبة 58% منذ عام 2015.
تغير السلوك الشرائي للمواطنين
انعكست الأزمة على نمط حياة اليمنيين؛ حيث يؤكد العاملون في قطاع التجزئة أن الزبائن توقفوا عن شراء غير الضروريات، وبدأوا في تقليص كميات السلع الأساسية كالأرز والدقيق، مع تزايد الاعتماد على الشراء بالدين.
مأرب: ضغوط النزوح وتضخم التكاليف
وفي مدينة مأرب، التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، تتضاعف المعاناة نتيجة الضغط على الخدمات العامة والسكن. ويشير موظفون حكوميون هناك إلى أن رواتبهم تنفد في الأيام الأولى من الشهر، مما يدفع الكثيرين للاستدانة لتغطية تكاليف الغذاء والدواء.
ويحذر العاملون في القطاع الصحي من أن ارتفاع أسعار الأدوية دفع المرضى، خاصة المصابين بأمراض مزمنة، إلى تقليل الجرعات أو التخلي عن أجزاء من العلاج، مما يفاقم المخاطر الصحية.
مناطق سيطرة الحوثيين: اقتصاد هش
في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، لا تختلف الصورة كثيراً؛ حيث يعاني الموظفون من انقطاع الرواتب لسنوات، مع اعتماد البعض على أنصاف رواتب غير منتظمة.
ورغم استقرار سعر صرف الريال نسبياً في صنعاء مقارنة بمناطق الحكومة، بفعل إجراءات نقدية صارمة، إلا أن ذلك لم يترجم إلى قوة شرائية حقيقية، نظراً لنقص السيولة النقدية وتكاليف التحويل المرتفعة، مما جعل سبل العيش محفوفة بالمخاطر والاعتماد الكلي على الاقتراض أو المساعدات العائلية.


