تتصفح الإنترنت، فيلفت انتباهك مقال أو نص ما فتقرأه، لكن هل تساءلت يوماً مَن هو كاتبه الحقيقي؟ أهو إنسان أم روبوت؟ قبل بضع سنوات، بدا هذا السؤال ضرباً من الخيال، لكنه أصبح اليوم جزءاً لا يتجزأ من تجربة القراءة اليومية.
مؤشرات رقمية متزايدة
كشفت دراسة حديثة أجراها مركز بيو (PEW) للأبحاث، ونُشرت في 20 أغسطس/آب 2026، عن مدى تغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى. فبعد فحص نحو 490 ألف صفحة ويب باللغة الإنجليزية، تبين أن 10 في المئة من الصفحات المنشورة في يوليو/تموز 2026 تحمل مؤشرات قوية على إنشائها آلياً، وهي نسبة ارتفعت لتتجاوز الثلث في الصفحات التي تلت إطلاق نماذج ذكاء اصطناعي متطورة مثل تشات جي بي تي.
لا يترك الذكاء الاصطناعي بصمة واضحة دائماً، لكن الباحثين يعتمدون على مؤشرات أسلوبية مثل تكرار استخدام علامات الترقيم (كالشرطات الطويلة)، وأنماط تركيب الجمل، والمفردات المتكررة.
تحديات المحتوى العربي
توضح هدى بوعمر، الخبيرة في معالجة اللغة الطبيعية، أن التمييز بين النص البشري والمولد آلياً يزداد صعوبة مع تطور النماذج. وتشير إلى أن اللغة العربية تواجه تحديات مضاعفة؛ فبينما تتطور الأدوات بالإنجليزية، لا تزال العربية تعاني من نقص في مجموعات البيانات المرجعية الضخمة، وتنوع اللهجات، والازدواجية بين الفصحى والعامية.
من جهتها، تؤكد نهى ميللر، الباحثة في الإعلام الرقمي بجامعة الشارقة، أن التحدي يتجاوز اللغة إلى الثقافة. فالنص قد يكون سليماً لغوياً، لكنه يعكس مرجعيات غربية تفتقر إلى العمق الثقافي العربي، وهو ما يطرح تساؤلات حول أصالة المحتوى الرقمي.
أداة للإبداع أم عائق للابتكار؟
يرى نزار حبش، البروفسور في جامعة نيويورك أبوظبي، أن الذكاء الاصطناعي يمثل هدية للغة العربية، إذ يخفض عتبة الكتابة بالفصحى ويساعد المستخدمين على صياغة أفكارهم بوضوح. ويضيف: الذكاء الاصطناعي أداة، ومن يستخدمه لمراجعة أفكاره وتحدّيها قد يصبح أكثر دقة وإبداعاً، بينما من يستخدمه كبديل عن التفكير سيفقد المضمون الحقيقي.
ومع ذلك، تظل المخاوف قائمة من أن يؤدي الاعتماد المفرط على الآلة إلى تشابه الأساليب اللغوية وتكرارها، مما قد يفرغ الصحافة من لمستها الإبداعية الخاصة. ويختتم حبش بالقول إن المستقبل الإيجابي يكمن في تعاون البشر مع الآلة، لا في استبدالهم بها.
نحو فهم أعمق للعربية
تخلص هدى بوعمر إلى أن تطوير الذكاء الاصطناعي بالعربية يتطلب استراتيجية جديدة؛ بحيث يتم تدريب الأنظمة على نصوص حقيقية من اللهجات العربية، وإشراك باحثين ومتحدثين عرب في مراحل التطوير الأولى، بدلاً من الاكتفاء بتعريب تقنيات صُممت للغة الإنجليزية.
وفي النهاية، يظل التساؤل معلقاً: عندما نقرأ نصاً عربياً بعد سنوات، هل سنسأل مَن كاتب النص؟ أم مَن صاحب الفكرة؟


