يواجه الاقتصاد الفرنسي ضغوطاً متصاعدة نتيجة تضافر عدة عوامل سلبية، على رأسها الارتفاع القياسي في أسعار الوقود وتراجع ثقة المستهلكين، في وقت تتقلص فيه هوامش المناورة أمام الحكومة للتدخل ودعم الأسر، نظراً للضغوط المتزايدة على المالية العامة وارتفاع تكاليف الاقتراض.
تآكل ثقة المستهلكين وتباطؤ النمو
تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية إلى أن ثقة المستهلكين في سبتمبر/أيلول لا تزال عند مستويات متدنية مقارنة بمتوسطها طويل الأجل. وتتزايد مخاوف الأسر الفرنسية من تداعيات التضخم المستمر الذي يضغط بشدة على قدرتها الشرائية.
وفي موازاة ذلك، يقترب النمو الاقتصادي من حالة الجمود، متأثراً بصدمة الطاقة وموجات الحر وارتفاع أسعار الديزل. وتشير توقعات الخبراء إلى مخاطر سلبية تحيط بنمو الربع الثالث، الذي يُرجح أن يقتصر على 0.2%.
أزمة الثقة تمتد إلى سوق السندات
لم تعد أزمة الثقة محصورة في قطاعي الأسر والشركات، بل انتقلت عدواها إلى الأسواق المالية. فقد أدى ارتفاع عوائد السندات إلى تعقيد مهمة إعداد موازنة 2027، مع صعود علاوة المخاطر على الدين الفرنسي مقارنة بنظيره الألماني إلى مستويات هي الأعلى منذ عام 2012.
وفي محاولة لطمأنة الأسواق، أكدت الحكومة التزامها بتوصيات الاتحاد الأوروبي بشأن الإنفاق العام، خاصة بعد تجاوز مقاييس مخاطر السندات الفرنسية حاجز النقطة المئوية الواحدة للمرة الأولى منذ 14 عاماً.
قيود حكومية وخيارات محدودة
تجد الحكومة الفرنسية نفسها أمام خيارات محدودة؛ إذ استبعد الرئيس إيمانويل ماكرون خفض ضرائب الوقود بشكل شامل، مفضلاً توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجاً بدلاً من خسارة إيرادات ضريبية حيوية. وبدلاً من ذلك، اتجهت باريس نحو الحلول الدولية، حيث دعا ماكرون إلى اجتماع لمجموعة السبع لمناقشة السحب من المخزونات الاستراتيجية للمنتجات النفطية، ومطالبة المفوضية الأوروبية بتخفيف القواعد المتعلقة بإمدادات الديزل والكيروسين.
مؤشرات متباينة في قطاع الأعمال
على الرغم من المشهد القاتم، تبرز بعض الاستثناءات الإيجابية؛ حيث حقق قطاع السيارات الكهربائية قفزة في المبيعات بنسبة 52%، مدعوماً ببرامج الدعم الحكومي. كما سجل نشاط القطاع الخاص تعافياً مفاجئاً في الخدمات، مما دفع مؤشرات النشاط العام للارتفاع بأسرع وتيرة في أكثر من عامين. ومع ذلك، يظل استمرار أزمة الطاقة وضعف الطلب في قطاعات التجزئة والبناء عوامل تهدد بفرملة أي تعافٍ محتمل في الفترة المقبلة.


