مع تسارع وتيرة التطور في الذكاء الاصطناعي التوليدي، برز مفهوم الذكاء الاصطناعي المتجسد (Embodied AI) كقفزة نوعية تتجاوز العالم الرقمي لتمنح الآلات قدرات حقيقية على الإدراك والتعلم والتفاعل الفيزيائي مع البيئة المحيطة.
ما هو الذكاء الاصطناعي المتجسد؟
يعد هذا المجال امتداداً متطوراً لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، حيث يهدف إلى دمج البرمجيات الذكية بأجسام مادية، مثل الروبوتات، الأذرع الآلية، والمركبات ذاتية القيادة. وبدلاً من الاكتفاء بمعالجة البيانات داخل بيئة رقمية مغلقة، تكتسب هذه الآلات القدرة على استشعار العالم المادي، وفهم قوانين الفيزياء، واتخاذ قرارات مستقلة وتنفيذ مهام معقدة في العالم الحقيقي.
التحرك الصيني: استراتيجية البيانات
في خطوة تعكس الأهمية الاستراتيجية لهذا الفرع التقني، أعلنت الهيئة الوطنية للبيانات في الصين عن بدء وضع معايير تنظيمية لبيانات الذكاء الاصطناعي المتجسد، مع تقديم دعم استثنائي للشركات التي تستثمر في موارد البيانات الضخمة اللازمة لتشغيل هذه الأنظمة.
عقبة الـ 10 ملايين ساعة
تواجه صناعة الروبوتات الشبيهة بالبشر تحدياً هيكلياً يتمثل في شح البيانات. وتشير تقديرات الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى أن تطوير النماذج الأساسية يتطلب نحو 10 ملايين ساعة من بيانات التدريب الواقعية، بينما لا يتوفر عالمياً سوى جزء ضئيل من هذا الرقم بجودة عالية. ولتجاوز هذه الفجوة، تعمل الصين حالياً على توسيع نطاق مواقع تدريب الأنظمة، حيث يوجد حالياً أكثر من 70 موقعاً مخصصاً، مع التخطيط لإضافة 46 موقعاً جديداً، يتركز معظمها في قطاع التصنيع.
ذكاء يتجاوز المحاكاة
يوضح الخبير في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، مازن الدكاش، أن الفرق الجوهري يكمن في أن الذكاء الاصطناعي المتجسد يتطلب بيانات تجمع بين الرؤية البصرية، والإحساس بالحركة، واللمس، وفهم قوانين الفيزياء مثل الجاذبية. ونظراً لصعوبة جمع هذه البيانات، بدأت الشركات في اعتماد البيانات الاصطناعية عبر محاكاة عوالم افتراضية ثلاثية الأبعاد تتيح للروبوتات التدرب ملايين المرات دون مخاطر أو تكاليف باهظة.
تحولات اقتصادية مرتقبة
من جانبه، يرى مطور التطبيقات سامر طبارة أن اهتمام الصين ليس مجرد خطوة تنظيمية، بل هو سباق نحو بناء بنية تحتية اقتصادية عالمية. ويشير طبارة إلى أن هذه التكنولوجيا ستحدث ثورة في قطاعات الرعاية الصحية، والخدمات اللوجستية، والزراعة، مما سيساهم في سد فجوة نقص العمالة العالمية. ويختم طبارة بالتأكيد على أن من يضع القواعد التنظيمية والمعايير الفنية لهذه التكنولوجيا اليوم، سيفرض ريادته على السوق العالمية في المستقبل، مما يضع القوى الغربية أمام ضغط متزايد لتسريع وتيرة تشريعاتها ومراكز تدريبها الخاصة.


