بالنسبة للمراقبين من خارج إسرائيل، قد تبدو المصطلحات السياسية التقليدية مثل اليمين واليسار مضللة عند تطبيقها على المشهد الإسرائيلي. ففي أوروبا أو الولايات المتحدة، تُبنى هذه التصنيفات عادةً حول قضايا الضرائب، والرعاية الاجتماعية، والهجرة، والهوية الدينية، وحجم دور الحكومة. ورغم وجود نقاشات حول هذه الملفات في إسرائيل، إلا أنها لا تشكل الهيكل الأساسي للنظام الحزبي هناك.
تحول الجوهر السياسي
لعقود طويلة، تمحور الانقسام الإسرائيلي حول قضايا وجودية: الصراع مع الفلسطينيين، الحدود، الأمن، الاستيطان، ومعنى الصهيونية، والتوتر بين الطابع اليهودي للدولة ومؤسساتها الديمقراطية. تاريخياً، كان لليسار الإسرائيلي بعد اقتصادي ومؤسساتي واضح مرتبط بـ الصهيونية العمالية، بينما تبنى اليمين رؤية قومية أكثر تركيزاً على المطالب التاريخية بالأرض واقتصاد السوق.
لكن بعد عام 1967، وتحديداً بعد اتفاقيات أوسلو في التسعينيات، أصبح مركز الثقل السياسي يدور حول الأراضي والوجود الفلسطيني. تحول اليسار ليصبح مرتبطاً بالحلول القائمة على التسوية الإقليمية، بينما اتجه اليمين لرفض قيام دولة فلسطينية ودعم التوسع الاستيطاني، معتبراً أن الانسحاب يشكل تهديداً أمنياً وليس حلاً للنزاع.
تآكل معسكر السلام
ساهمت الانتفاضة الثانية في إضعاف اليسار بشكل كبير في أوساط الناخبين اليهود، حيث اعتبر الكثيرون أن أحداث العنف في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين هي دليل على فشل اتفاقيات أوسلو. ولم تكن هجمات 7 أكتوبر 2023 هي البداية لهذا التحول، بل كانت مسرعاً لمسار بدأ بالفعل، مما جعل قضايا الأمن والهوية اليهودية في صدارة الأولويات.
اليوم، يعني اليمين في إسرائيل اتخاذ موقف متشدد تجاه المطالب الوطنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية. ولم تعد المستوطنات في الضفة الغربية تُعامل كأوراق تفاوض، بل كأصول أمنية ومشروع وطني وديني.
تداخلات المشهد الحزبي
تُظهر الأحزاب الحريدية (شاس ويهودية التوراة) مدى تذبذب المحور التقليدي؛ فهي محافظة دينياً واجتماعياً، لكن مواقفها الاقتصادية لا تتوافق مع اليمين الغربي، حيث تطالب بتمويل حكومي للمؤسسات الدينية ودعم الرعاية الاجتماعية. وتعتمد تحالفاتها على المصالح الميزانياتية والحكم الذاتي الديني وليس بالضرورة على أيديولوجيا قومية.
أما الأحزاب الممثلة للفلسطينيين في إسرائيل، فهي تقع خارج نطاق هذا التصنيف تماماً. فرغم تنوع توجهاتها بين الاشتراكية (الجبهة) أو الإسلامية المحافظة (القائمة الموحدة) أو الهوية الوطنية (التجمع)، إلا أن تصنيفها كـ يسار لمجرد دعمها للحقوق الفلسطينية هو تبسيط يغفل تعقيدات المشهد.
مستقبل السياسة الإسرائيلية
مع اقتراب الانتخابات القادمة، يظل الصراع موصوفاً إعلامياً بأنه بين يمين ويسار، لكن الحقيقة أن مركز الثقل السياسي الإسرائيلي قد انزاح بشكل كبير نحو اليمين. أصبحت النقاشات الجوهرية اليوم -مثل حدود السيطرة العسكرية، ومستقبل الاستيطان، وصلاحيات القضاء- تدور غالباً داخل معسكر اليمين نفسه.
إن مصطلحات اليمين واليسار في إسرائيل لم تعد تعبر عن معسكرين متناقضين يتبنيان رؤى اقتصادية واجتماعية متعارضة، بل أصبحت تعبر عن وجهات نظر متباينة حول كيفية إدارة القوة، والأمن، والهوية في دولة تشهد تحولات بنيوية عميقة.


