في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، أصبحت الجيوش الإلكترونية أو ما يُعرف بـالذباب الإلكتروني أداة محورية في صياغة المشهد السياسي العالمي، متجاوزة كونها مجرد حسابات وهمية لتصبح منظومات متكاملة لهندسة المزاج العام وتوجيه الرأي الجمعي.
ويشير الإعلامي فيصل القاسم، المعروف بـأبو أصيل، إلى أن هذه الظاهرة ليست وليدة العصر الرقمي، بل هي امتداد للدعاية السياسية التي عرفتها البشرية منذ آلاف السنين، حيث انتقل صناع الدعاية من صفحات الصحف القديمة إلى ساحات الترند والمنصات الاجتماعية المعاصرة.
ازدواجية المعايير والحرب الرقمية
يرى أبو أصيل أن الحكومات تتعامل مع هذه الآلة الدعائية بازدواجية لافتة؛ إذ تُسبغ صفة الوطنية على الجيوش الإلكترونية التي تخدم أجندتها، بينما تصم المعارضة بالعمالة إذا لجأت للأدوات ذاتها. ويؤكد أن الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، روسيا، الصين، وإسرائيل، تمتلك ترسانات رقمية متطورة، حيث حولت الأخيرة الحرب الإعلامية إلى علم بحد ذاته، مخصصة كتائب كاملة لإدارة الصورة الذهنية والإشاعات.
الواقع الوهمي وأزمة الوعي
يؤكد التحليل أن الذباب الإلكتروني ليس شراً مطلقاً من وجهة نظر استراتيجية، فالسياسي أو الدولة التي لا تملك جيشاً إلكترونياً ستجد نفسها عرضة للاختراق وتوجيه الرأي ضدها. ويضيف أبو أصيل أن المشكلة الحقيقية تكمن في الوعي الجمعي الذي يتفاعل مع المحتوى الرقمي دون تمحيص، مما يجعل البشر أنفسهم وقوداً لهذه الآلة عبر إعادة نشر المعلومات المضللة.
إن المنصات الرقمية نفسها لا تقف موقف الحياد، بل تساهم خوارزمياتها في إبراز محتوى معين وحجب آخر، مما يعزز من قوة الواقع الوهمي على حساب الحقيقة. ويستدل على ذلك بالتعامل الأمريكي مع منصات مثل تيك توك كقضية أمن قومي، في اعتراف ضمني بأن عقلية العالم باتت تُعاد تشكيلها عبر الهواتف الذكية والمنصات التي تملك القدرة على هندسة الغضب أو التعاطف المصطنع.


