ظلت مدينة السويس لقرون طويلة مجرد محطة عابرة، وقرية هادئة لا تضج بالحياة إلا في مواسم محددة. يصفها الرحالة الفرنسي جان دي تيفينو عام 1658 بأنها قرية هادئة بها كنيسة للروم غير مُعتنى بها، يكثر سكانها حين ترسو السفن التجارية، ثم تُهجر لتصبح مُقفرة. لم تكن السويس في تلك العصور سوى نقطة ترانزيت موسمية، عانت من ضعف الموارد المائية وعدم استقرار الأوضاع الأمنية في الطرق المؤدية إليها، وهو ما أكده الوزير المصري علي مبارك في كتاباته، مشيراً إلى اعتماد أهلها على عيون بعيدة مستملحة.
وقرية السويس عبارة عن قرية هادئة بها كنيسة للروم غير مُعتنى بها، أمامها ميدان متوسط، وبالقرية نحو مئتي منزل، يكثر سكانها عندما ترسو السفن التجارية والحربية بمينائها، وبعد ذلك تُهجَر فتصبح السويس مُقفرة جدا
خلال الحقبة العثمانية، حُصر دور السويس في كونها نقطة مراقبة عسكرية لمنع التغلغل البرتغالي في البحر الأحمر، الذي تحول إلى بحيرة مغلقة. وتكشف شهادة دي تيفينو عن واقع أمني متردٍ، حيث كانت القوافل تتعرض لهجمات البدو، وهو تحدٍ استمر حتى زمن الحملة الفرنسية، حين طالب شريف مكة نابليون بونابرت بتوفير حماية عسكرية لتجارة البن القادمة عبر السويس.
بداية النهضة: رؤية علي بك الكبير
شكل صعود علي بك الكبير عام 1763 نقطة تحول مفصلية؛ فقد أدرك أن قوة مصر واستقلالها عن المركز العثماني مرهونان بتنشيط التجارة الدولية. بدأ علي بك بتطهير الطرق، وتطوير الجمارك، وفتح الميناء أمام السفن الأوروبية، مما جعل السويس محطة تجارية حيوية. ومن هنا، بدأت السويس تتحرر من سباتها وتتحول إلى ركيزة اقتصادية استراتيجية.
عصر محمد علي: تحديث الدولة والمكان
مع تولي محمد علي باشا الحكم، دخلت السويس مرحلة القطيعة الثورية مع الماضي. فقد سعى الباشا لربط مصر بالعالم، وأصبح طريق السويس-القاهرة-الإسكندرية شرياناً إمبراطورياً يربط بريطانيا بالهند. وعلى الرغم من معارضة القوى الدولية لمشاريع السكك الحديدية في بدايتها، إلا أن إصرار مصر أدى لافتتاح خط حديدي عام 1858، مما ضاعف حركة السفن البخارية بشكل مذهل.
حفر القناة: حلم الربط العالمي وتضحيات المصريين
تحول حلم ربط البحرين الأحمر والمتوسط من مجرد فكرة تاريخية إلى مشروع دولي قادته القوى الاستعمارية، مدعومة بأفكار السانسيمونيين الذين وجدوا في مصر بيئة خصبة لتطبيق رؤاهم الصناعية. ومع ذلك، بقيت القناة لسنوات طويلة مصدراً لاستنزاف الموارد المصرية دون عائد يذكر، حيث كانت التجارة تمر عبر أراضٍ مصرية لصالح قوى أجنبية.
لقد دُفعت أثمان باهظة في سبيل بناء هذا الممر المائي، حيث عانى آلاف العمال المصريين من ظروف السخرة القاسية. وبعد عقود من التبعية الاقتصادية، جاء قرار تأميم القناة في عام 1956 ليعيد الحق لأصحابه، وليكتب نهاية مرحلة طويلة من الهيمنة الاستعمارية، مؤكداً أحقية الشعب المصري في إدارة مقدراته الوطنية.


