شهد هذا الأسبوع تحركات دولية متزامنة في كل من مدينة آشفيل الأمريكية ومدينة بيشكيك القيرغيزية، حيث تعقد طاولات مستديرة تعكس عمق الانقسام في أدوات النفوذ الاقتصادي العالمي. ففي الوقت الذي يجتمع فيه وزراء مالية ومحافظو البنوك المركزية لدول مجموعة العشرين في آشفيل لمناقشة أزمات النمو والديون وسلاسل الإمداد، تنعقد في بيشكيك قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي تضع ملفات الأمن الإقليمي، وممرات التجارة، والطاقة على رأس أولوياتها.
اقتصاد مثقل بالديون وضغوط العقوبات
تأتي اجتماعات مجموعة العشرين في ظل تباطؤ عالمي وارتفاع حاد في تكاليف الاقتراض، مما يقلص المساحات المتاحة للاستثمار والخدمات العامة. ولا تقتصر النقاشات على الجوانب التقنية، بل تمتد لتشمل مساعي واشنطن لحشد الدعم الدولي لتشديد الضغوط الاقتصادية على إيران، مستفيدة من ثقلها المالي العالمي.
منظمة شنغهاي: بحث عن هوامش بديلة
على الجانب الآخر، تبرز قمة شنغهاي كمنصة تسعى فيها قوى آسيوية وأوراسية لتقليل اعتمادها على النظام المالي الغربي. وتكتسب إيران أهمية إستراتيجية في هذه القمة لكونها حلقة وصل بين آسيا الوسطى والخليج. ومع ذلك، يرى الخبراء أن المنظمة لا تزال تفتقر إلى نظام مالي مشترك قادر على حماية أعضائها من العقوبات الثانوية الأمريكية.
معضلة العقوبات الثانوية
تتمثل العقبة الكبرى أمام الدول الساعية للالتفاف على العقوبات في العقوبات الثانوية التي تلاحق الأطراف المتعاملة مع جهات مدرجة على القوائم الأمريكية. حتى في حال استخدام عملات محلية بدلاً من الدولار، تظل شركات الشحن والتأمين والبنوك حذرة من فقدان وصولها للأسواق الأمريكية. ويصف الدكتور آيزاك سعيديان منظمة شنغهاي بأنها درع لتقليل المخاطر، وليست بديلاً كاملاً للنظام المالي العالمي.
خارطة نفوذ متغيرة
تشير التحليلات إلى أن بناء شبكات دفع بديلة هو مسار تدريجي طويل الأمد يتطلب ثقة عالية بين البنوك وسيولة ضخمة. وفي هذا السياق، تبرز تعقيدات مواقف دول مثل الصين والهند، اللتين تسعيان لتوسيع نفوذهما الاقتصادي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، دون المخاطرة بقطع روابطهما التجارية الضخمة مع الغرب.
ختاماً، يظل السؤال الجوهري لما بعد آشفيل وبيشكيك: هل ينجح العالم في إدارة هذا التنافس الإستراتيجي دون أن تتحول أدوات الضغط المالي والطاقة إلى مصدر دائم لزعزعة استقرار الاقتصاد العالمي؟


