في قلب صعيد مصر، وتحديداً في قرية البهنسا بمحافظة المنيا، يتجلى التاريخ كنسيج متداخل يجمع بين القداسة والبطولة. هذه البقعة التي تبعد نحو 16 كيلومتراً عن مركز بني مزار، لا تعد مجرد قرية ريفية، بل هي متحف مفتوح يحفظ في طياته ذاكرة دينية تمتد من رحلة العائلة المقدسة إلى بدايات الفتح الإسلامي لمصر.
تُعرف البهنسا في الوجدان الشعبي بـ البقيع الثاني؛ نظراً لاحتضان ثراها رفات الآلاف من الصحابة والتابعين، بينهم نحو 70 ممن شهدوا غزوة بدر الكبرى، مما جعلها وجهة تاريخية وروحية فريدة.
خصوصية المكان: من حصن روماني إلى أرض الشهداء
لم تكن البهنسا مجرد محطة عابرة، بل كانت في العصر الروماني نقطة حصينة في صعيد مصر، قبل أن تصبح مسرحاً لمعركة حاسمة مكنت جيوش المسلمين بقيادة عمرو بن العاص من بسط سيطرتهم على المنطقة. وتضم القرية اليوم شواهد قبور تعود لصحابة أجلاء، من بينهم أبناء خالد بن الوليد، وأبناء عقيل بن أبي طالب، وحفيد أبي بكر الصديق، مما جعلها منافساً لأرض الحجاز في قدسية ثراها وما تحويه من رفات.
ملتقى الأديان: شجرة مريم ورفات الصحابة
تتسم البهنسا بتنوع مزاراتها؛ فبينما يقصد المسلمون المقامات طلباً للبركة والسكينة، يتوافد السائحون والأقباط لزيارة شجرة مريم، التي تروي الروايات التاريخية والموروث القبطي أن العائلة المقدسة استظلت بها وشربت من بئر تجاورها خلال رحلتهم في مصر. ويؤكد الباحثون، ومنهم مدير المتحف القبطي السابق، أن البهنسا تعد إحدى المحطات الـ26 الموثقة في مسار العائلة المقدسة.
أدلة تاريخية وخطط تطوير
يشير المتخصصون في التاريخ الإسلامي إلى أن مكانة البهنسا تستند إلى أدلة موثقة، أبرزها شواهد القبور التي تحمل أسماء الصحابة منذ قرون، وما ذكره المؤرخ المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار. وفي هذا السياق، تعمل وزارة الأوقاف المصرية على تطوير المنطقة لوضعها على خريطة السياحة الدينية العالمية، خاصة مع وجود أضرحة بارزة مثل مقام القعقاع بن عمرو، وزياد بن أبي سفيان بن الحارث، وضريح السبع بنات الذي يخلد ذكرى نساء شاركن في دعم جيش الفتح.
تجربة روحية
يصف الزوار شعورهم في البهنسا بـ الراحة النفسية الغريبة، حيث تختلط رائحة التاريخ بقدسية المكان. يقول أحد الزوار: هنا نشعر بنفحات من التاريخ الإسلامي، وببركة رحلة العائلة المقدسة في آن واحد. وبينما تستعد القرية لاستعادة بريقها السياحي، يظل ترابها شاهداً على حكايات يختلط فيها التاريخ بالرواية والموروث الشعبي العريق.


