من الدهون التي كانت تُصنف كعدو أول للصحة، إلى الكيتو الذي أعاد لها الاعتبار، وصولاً إلى حميات الصيام المتقطع والنباتية، وآخرها الكارنيفور.. يبدو المشهد الغذائي وكأنه في حالة تبدل مستمر. فهل نحن أمام ثورة علمية حقيقية، أم أن الأمر لا يتعدى كونه موضة تتبدل ملامحها كل عام؟
العلم لا يتقلب.. لكن التبسيط يضلل
يخطئ من يظن أن العلم يغير قناعاته بهذه السرعة؛ فالبحث العلمي عملية تراكمية بطيئة، تفتقر غالباً إلى الأحكام الجازمة. تكمن المشكلة الحقيقية في رحلة المعلومة من المختبر إلى شاشة الهاتف، حيث تخضع لعمليات تبسيط مخلة، وتُنتزع النتائج من سياقها لتتحول إلى عناوين رنانة تجذب الجمهور.
يؤكد خبراء مثل تيم سبيكتور وكريستوفر غاردنر أن هذا التبسيط المفرط ساهم في إرباك الجمهور، ودفعهم للبحث الدائم عن الخبير التالي أو الحمية السحرية القادمة، متجاهلين أن التغذية علم معقد لا يقبل التعميم.
لماذا ننجذب للحميات الصارمة؟
تمنح الحميات ذات القواعد الواضحة (مثل: امنع الكربوهيدرات، أو تناول اللحوم فقط) شعوراً زائفاً بالسيطرة والانضباط، مما يقلل الحيرة اليومية. ومع ذلك، فإن سهولة اتباع القاعدة لا تعني بالضرورة أنها الأكثر صحة أو ملاءمة للاحتياجات الفردية طويلة الأمد.
خوارزميات التواصل وصناعة التريند
لم تعد الموضات الغذائية رهينة الكتب العلمية، بل أصبحت صناعة تروجها منصات التواصل الاجتماعي. فالفيديو القصير أو صورة قبل وبعد تفوق في تأثيرها آلاف التقارير العلمية. وتعمل الخوارزميات على حصر المستخدم داخل فقاعة معلوماتية، مما يجعله يشعر بأن النظام الغذائي الرائج هو الحقيقة المطلقة التي لا تقبل الجدل.
البعد الاقتصادي: التغذية كصناعة مليارية
لا يمكن فصل حمى الحميات عن الجانب الاقتصادي؛ فالتغذية والعافية تحولتا إلى صناعة عالمية ضخمة تشمل المكملات الغذائية، التطبيقات، والخدمات الرياضية. تحتاج هذه الشركات باستمرار إلى ابتكار اتجاه جديد لفتح أسواق إضافية، مما يجعل الحمية جزءاً من منظومة تجارية تستفيد من رغبة المستهلك الدائمة في تجربة الجديد.
نحو مقاربة أكثر واقعية
ربما حان الوقت للتخلي عن البحث عن الحمية المثالية التي تصلح للجميع. فالغذاء لا يعمل بمعزل عن نمط الحياة، العمر، والحالة الصحية. وبدلاً من الانقياد وراء البطل الغذائي الجديد، ينبغي طرح الأسئلة الجوهرية: هل يستند هذا النظام إلى أدلة موثوقة؟ وهل يتناسب مع طبيعة جسدي وقدرتي على الاستمرار؟


