سوق بلا آلهة: لماذا تعجز الصين عن إنجاب سبيس إكس رغم تفوقها الصناعي؟

سوق بلا آلهة: لماذا تعجز الصين عن إنجاب سبيس إكس

في يونيو الماضي، أحدثت شركة سبيس إكس المملوكة لإيلون ماسك ضجة عالمية بطرح أسهمها في البورصة الأمريكية، حيث جمعت نحو 75 مليار دولار بتقييم سوقي تجاوز حاجز التريليوني دولار. هذا الرقم الفلكي، الذي يعادل 93 ضعف إيرادات الشركة، يثير تساؤلات جوهرية حول الفوارق الهيكلية بين النموذج الاقتصادي الأمريكي ونظيره الصيني، ولماذا لا نرى شركات مماثلة في الصين تحظى بمثل هذه التقييمات الضخمة.

سبيس
تضع تلك المستويات سبيس إكس ضمن أكبر الشركات قيمة في العالم (رويترز)

أمريكا: سيولة التوقعات والتقييمات الضخمة

تستحوذ أسواق المال الأمريكية على أكثر من نصف رأس المال السوقي العالمي، بينما لا تتجاوز حصة الصين 10%. هذه السيولة الهائلة تسمح للسوق الأمريكي بامتصاص تقييمات مرتفعة للشركات حتى وإن كانت خاسرة، حيث يراهن المستثمرون على القصة والنمو المستقبلي أكثر من الميزانية الحالية. على سبيل المثال، تُقوَّم شركة تسلا بقيمة 1.4 تريليون دولار، بينما لا تتجاوز قيمة بي واي دي الصينية -رغم تفوقها في حجم الإنتاج والمبيعات- 120 مليار دولار.

شركة
شركة بي واي دي هي أكبر الشركات الصينية العاملة في قطاع السيارات (الفرنسية)

هذا الفارق لا يعود فقط للأداء المالي، بل لكون السوق الأمريكي يُسعِّر الشركات كمنصات عالمية، بينما يخصم من قيمة الشركات الصينية مخاطر الرقابة التنظيمية والجيوسياسية. حتى بايت دانس المالكة لتيك توك، والتي تقترب إيراداتها من ميتا، لا تزال قيمتها السوقية أقل من خُمس قيمة الأخيرة.

الرهان على ستار لينك والإنترنت الفضائي

بالعودة إلى سبيس إكس، يظهر أن المحرك الأساسي لإيراداتها هو ستار لينك، الذي قفزت إيراداته من 222 مليون دولار قبل الحرب الأوكرانية إلى 11.4 مليار دولار في 2025. يراهن المستثمرون على سيطرة الشركة على قطاع الإنترنت الفضائي والعقود الحكومية، في حين تتبنى الصين إستراتيجية مختلفة؛ فهي تسعى لإطلاق 50 ألف قمر صناعي في العقد القادم عبر شركات مدعومة حكومياً لضمان السيادة التكنولوجية بعيداً عن تقلبات البورصة.

المنصات
عندما تتوسع المنصات الصينية فإنها تقيم بتقييمات أقل مقارنة بنظيراتها الأمريكية (شترستوك)

صدام النماذج: الرأسمالية المالية مقابل الصناعية

الفارق الجوهري يكمن في علاقة الدولة بالسوق. في النموذج الأمريكي، تُستخدم الأمولة المسبقة لتمويل الاحتكارات التقنية قبل نضجها، حيث تتحول التوقعات إلى سيولة تجذب المواهب وتُقصي المنافسين. بينما في الصين، يُركز الحزب الشيوعي على بناء القدرة المادية -المصانع وسلاسل التوريد- ثم تأتي الأمولة لاحقاً كأداة توسع.

تسمح السيولة الكبيرة بامتصاص التقييمات المرتفعة للشركات في السوق الأمريكي

إنها مواجهة بين نموذجين: الولايات المتحدة أقدر على تمويل القفزة الأولى والمخاطرة، بينما الصين أقدر على تعميم التكنولوجيا وتحويلها إلى صناعة جماهيرية رخيصة بمجرد نضجها. الصراع القادم ليس فقط حول من يبتكر أولاً، بل حول من يمتلك النظام الاقتصادي الأكثر استدامة في تحويل هذا الابتكار إلى سيادة فعلية على الأسواق العالمية.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص