كأس العالم 2026: هل حان وقت دفع فاتورة الكربون للحدث الرياضي الأضخم؟

كأس العالم 2026: هل حان وقت دفع فاتورة الكربون ل

تفرض منطق الحياد الكربوني قواعده على كافة الأنشطة البشرية؛ فكل مبنى يستهلك الطاقة، وكل مصنع ينتج المواد، وكل مدينة تشيد بنيتها التحتية، لها ثمن بيئي يمكن حسابه وتقليصه. ومع ذلك، لا تزال الفعاليات الرياضية الكبرى، وعلى رأسها بطولات كرة القدم، تتعامل مع هذا الملف بنوع من التراخي غير المبرر.

الرياضة في مواجهة المسؤولية البيئية

بينما تتجه الحكومات حول العالم لفرض ضرائب كربونية وقيود تنظيمية على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، تجد الأحداث الرياضية الكبرى نفسها في منطقة رمادية. وعلى الرغم من القيمة الثقافية والرياضية العظيمة لكرة القدم، إلا أن بصمتها البيئية لا يمكن إنكارها، خاصة مع تنقل الفرق، والمشجعين، والجهات الراعية، ووسائل الإعلام عبر القارات.

تضع بطولة كأس العالم 2026 هذا التحدي في الواجهة؛ فالبطولة التي تقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بمشاركة 48 فريقاً و104 مباريات عبر 16 مدينة مضيفة، تعتمد بشكل أساسي على النقل الجوي. وتشير تقديرات منصة Greenly إلى أن البصمة الكربونية للبطولة قد تصل إلى 7.8 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، حيث يمثل تنقل المشجعين وحده نحو 88% من إجمالي هذه الانبعاثات.

بين الإيرادات والاستدامة

مع توقعات بتجاوز إيرادات دورة 2023-2026 حاجز الـ 11 مليار دولار، لم تعد الاستدامة مجرد شعار تجميلي، بل ضرورة اقتصادية وتنظيمية. يجب أن تُدمج التكاليف البيئية ضمن ميزانية البطولة، مع تخصيص جزء من العوائد لمبادرات الإرث المناخي، والطاقة المتجددة، وحلول التنقل المستدام.

إن المشاهد المؤثرة للمشجعين وهم ينظفون مدرجات الملاعب بعد المباريات تعكس وعياً فردياً نبيلاً، لكنها تظل رمزية مقارنة بضرورة تنظيف الأثر البيئي الضخم للبطولة ككل. إذا كان بإمكان المشجعين تحمل مسؤولية نفاياتهم، فإن المنظمات الكروية ملزمة أخلاقياً وتقنياً بتقليص الانبعاثات الناتجة عن فعالياتها.

مقترح: صندوق المسؤولية المناخية الرياضية

لتحقيق ذلك، يبرز مقترح إنشاء صندوق المسؤولية المناخية الرياضية (Sports Climate Responsibility Fund)، الممول من حصة ثابتة من إيرادات البطولة ومساهمات الرعاة. يمكن استلهام نموذج صندوق مناخ يورو 2024 التابع للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، الذي استثمر في مشاريع الاستدامة القاعدية، وتطويره ليتناسب مع حجم بطولة كأس العالم.

يجب أن يركز هذا الصندوق على:

  • تقييم مستقل للانبعاثات (النطاق 1، 2، و3) المرتبطة بالسفر، والإقامة، والخدمات اللوجستية.
  • اعتماد حلول ذكية لجدولة المباريات وتقليل التلوث الناجم عن التنقل.
  • الاستثمار في طاقة الملاعب الفعالة وأنظمة إدارة النفايات المتطورة.

إن الحفاظ على متعة كرة القدم لا يتعارض مع المسؤولية تجاه الكوكب. فالبطولة التي توحد الشعوب وتصنع الذكريات الخالدة، يجب أن تكون أيضاً نموذجاً في الاحترام البيئي، بحيث لا يتم ربط مصطلح الحياد الكربوني بالحدث كإجراء لاحق، بل كجزء أصيل من تخطيطه وتمويله وتنفيذه.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص