تشهد الساحة اليمنية اليوم تحوّلًا لافتًا في وعي الشارع العام، حيث تتنامى الثقة الجماهيرية بمؤسسات الدولة في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة المجلس السياسي الأعلى وحكومة التغيير والبناء، في مقابل تآكلٍ شبه كامل للثقة بمؤسسات الدولة في المحافظات الجنوبية المحتلة. هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج تجربة واقعية امتدت لسنوات، اختبر فيها المواطن اليمني أداء السلطات، وعاين الفارق بين مشروع وطني متماسك، ومشاريع خارجية فاشلة.
لقد استطاعت مؤسسات الدولة في صنعاء، ورغم العدوان والحصار الاقتصادي والمالي الخانق المفروض عليها منذ أكثر من عشر سنوات، أن تثبت قدرتها على الصمود والاستمرار. لم تتوقف هذه المؤسسات عن أداء وظائفها الأساسية، بل واصلت تقديم خدماتها للمواطنين في مجالات متعددة، وأدارت شؤون المجتمع بإمكانات محدودة ولكن بإرادة سياسية واضحة، تنطلق من إحساس بالمسؤولية الوطنية، لا من ارتهان للخارج أو انتظار التعليمات من العواصم الأجنبية.
في المقابل، تعيش المحافظات الجنوبية المحتلة حالة انهيار مؤسسي شامل. فالمؤسسات هناك عاجزة عن القيام بأبسط مهامها، والخدمات الأساسية إما متوقفة أو تُدار بعشوائية، في ظل صراعات نفوذ بين قوى متعددة، لكل منها ارتباطاته الخارجية وأجنداته الخاصة. هذا الانهيار لم يعد خافيًا على أحد، بل بات واقعًا يوميًا يلمسه المواطن في حياته ومعيشته وأمنه واستقراره.
إن نجاح السلطة في صنعاء والمناطق الشمالية لم يكن نجاحًا إداريًا فقط، بل كشف بوضوح حقيقة المشروع الوطني الذي تقوده صنعاء، مشروع قائم على الاستقلال السياسي، وبناء مؤسسات الدولة من الداخل، والاعتماد على الإمكانات الذاتية، مهما كانت التحديات. وفي المقابل، أظهر هذا النجاح الفشل الذريع للمشروع الخارجي الذي تديره قوى العمالة والارتزاق، والذي لم يقدّم لليمن سوى الفوضى والانقسام والتبعية.
وعلى مدار السنوات العشر الماضية، لم تقدّم ما يُسمّى بحكومة العملاء والمرتزقة أي نموذج يُحتذى به، ولا أي مشروع وطني حقيقي يمكن البناء عليه. فهذه الحكومة، التي تزعم تمثيل الدولة، عجزت حتى عن العودة إلى عدن أو أي محافظة جنوبية، وبقيت حبيسة الفنادق في الرياض وإسطنبول والقاهرة وأبوظبي ودبي وغيرها. كيف يمكن لحكومة تُدار من الخارج، وتعيش بعيدًا عن شعبها وأرضها، أن تدّعي تمثيل الإرادة الوطنية أو قيادة مشروع دولة؟
لقد باتت الحقيقة واضحة أمام الشعب اليمني: من يحمل مشروعه الوطني هو من يعيش معاناته، ويدير شؤونه من الداخل، ويتحمل تبعات قراراته، لا من يتلقى أوامره من الخارج. ورغم الصعوبات الجسيمة التي يفرضها الحصار، الذي يمارسه التحالف ومن خلفه الولايات المتحدة وإسرائيل ضد السلطة في صنعاء، فإن جماهير الشعب أصبحت اليوم أكثر ثقة من أي وقت مضى بمؤسسات الدولة تحت إدارة حكومة التغيير والبناء، وبقدرتها على حماية الحد الأدنى من الاستقرار، والسير بالبلاد نحو مستقبل مستقل.
في المقابل، فقدت الجماهير في المحافظات الجنوبية ثقتها تمامًا بمؤسسات الدولة وبالقيادات المرتبطة بالخارج. ولم يعد المواطن هناك يرى في تلك السلطات سوى أدوات صراع وفشل، عاجزة عن توفير الأمن أو الخدمات أو حتى أفق سياسي واضح.
إن الثقة الجماهيرية ليست شعارًا يُرفع، بل هي حصيلة أداء وتجربة ومعايشة يومية. واليوم، تؤكد هذه الثقة المتزايدة في صنعاء أن القوة الحقيقية للدولة لا تُقاس بالدعم الخارجي، بل بمدى ارتباطها بشعبها، وقدرتها على الصمود، وتمسكها بمشروع وطني مستقل، وهو ما أثبتته صنعاء، وأسقطت به كل أوهام المشاريع المفروضة من الخارج.


